بنك القاهرة عمان

الجوهري يحاور الحدادين والمجالي .. رفض حلف بغداد لم يفوت نصرا عربيا على إسرائيل

29 أغسطس 2022
الجوهري يحاور الحدادين والمجالي .. رفض حلف بغداد لم يفوت نصرا عربيا على إسرائيل

بقلم: شاكر الجوهري

لم يأت السيدان بكر خازر المجالي والدكتور منذر حدادين بأي جديد على صعيد الدفعين اللذين نشراهما مؤخرا في موقع وطنا اليوم دفاعا عن حلف بغداد، وعن موقف المرحوم هزاع المجالي المؤيد لإنضمام الأردن إلى ذلك الحلف.. بل أثارا الإستغراب بأنهما لم يشيرا إلى موقف المرحوم وصفي التل من ذلك الحلف أيضا.
وهنا مهم أن نشير إلى أن رؤساء الحكومات في الخمسينيات كانوا يملكون القدرة على إتخاذ القرارات وتنفيذها دون اشتراط موافقة رأس الدولة على كل صغيرة وكبيرة.. كما أنهما غفلا، أو أنهما لم يعرفا أصلا التبريرات التي قيلت في حينه في معرض تسويق فكرة إنضمام الأردن إلى ذلك الحلف.
وقبل أن أستحضر بدوري ما أغفل إيراده، لا بد من إيجاز ما أورداه، كي نضع القراء الكرام في صورة ما ذكراه، لكي تكتمل الصورة بما سأورده بدوري.

رؤية بكر خازر المجالي
المؤرخ السيد بكر خازر المجالي، أورد ما يلي من مسببات ومعلومات في سياق عرضه، تحت عنوان مبهر أو منبهر ((هزاع وحلف بغداد: التقى المتظاهرون ضد حلف بغداد مع هدف اسرائيل)):
1) كان الاردن في وضع لا يحسد عليه ابدا، دولة ناشئة حديثة الإستقلال وترتبط بمعاهدة مع بريطانيا، وسط أكثر من دولة متحالفة مع المعسكر الشرقي، وينظرون الى الاردن بأنه قاعدة للإمبريالية والرجعية، ولم تخل الساحة الأردنية من العملاء بكل اشكالهم وبمبررات بإسم التحرير وغيرها.
2) تصدى الشهيد هزاع المجالي وأمامه سلسلة من التحديات، فهو يسعى للدولة الفلسطينية المستقلة، وهو يريد للأردن القوة والمنعة وأن يكون ذو جاهزية عسكرية محلية ومستندا الى اتفاقيات تعزز مكانته ودوره، فالقوة الداخلية غير كافية والحدود لدينا هشة.
3) لاحت فكرة حلف بغداد ”السنتو” بإدارة بريطانية، وكانت الدعوة الجادة للأردن لأن يكون عضوا في هذا الحلف العسكري مع العراق والباكستان وربما ايران، ويحصل الأردن على تجهيزات عسكرية وتسليح فرقة مشاة جديدة ومساعدات عسكرية، وأن يحصل على امتيازات اتفاقية خاصة.
4) الشهيد هزاع أدرك الفوائد العظيمة لهذا التحالف في مواجهة من يتربصون بالأردن ولهم عملاء حتى وسط الجيش، ويتحينون الفرصة للإنقضاض على الأردن وتحويله إلى المعسكر الشرقي، وحلف بغداد في نظرهم يعني اجهاض مخططاتهم، وأعلن هزاع أن الاردن سيدخل الى حلف بغداد وأن هذه هي مهمة حكومته.
5) حشدت قوى المعارضة التي تتلقى تعليماتها من خارج الوطن للوقوف ضد الإنضمام، وحرضت على المظاهرات الصاخبة، وكانت عمان تغلي، فقط عمان وجيوب صغيرة في بقية الأردن، واستقال الشهيد هزاع بعد ستة أيام فقط.
6) القوى الشرقية وقفت ضد انضمام الأردن إلى حلف بغداد، بل إن اسرائيل قد وقفت نفس الموقف، فقد تحالفت هذه القوى مع اسرائيل دون ادراكها لتحقيق نفس الهدف، اسرائيل ادركت أن دخول الأردن في حلف بغداد سيضاعف من قوتها العسكرية على حدودها، وستصبح عضوا غير مباشر في حلف الاطلسي.

رؤية منذر حدادين
أما السيد الدكتور منذر حدادين، فقد أورد ما يلي:
1) وقوفنا ضد حلف بغداد خدم أهداف إسرائيل.
2) كنت مع المتظاهرين ضد حلف بغداد وكنت مع مجموعة على رأس درج سينما الأردن فوق مكتبة الإستقلال في البلد، وكان عتالة السلال خلايلة يجلبون لنا الحجارة ونحن نقذفها على رجال الأمن العام..!! كان ذلك عام ١٩٥٥.
3) ذهبت الى الأرشيف الوطني الأميركي لأستعين به في ايجاد المراجع لكتابة أول كتبي عام ١٩٩٩ Diplomacy on the Jordan وكنت ابحث عن وثائق بخصوص بعثة إريك جونستون لاقتسام مياه حوض الأردن (١٩٥٣ – ١٩٥٥)، ووقعت عيناي على مذكرة كتبها ويليام راونتري مساعد وزير الخارجية الأميركي الى وزيره جون فوستر دالاس يقول فيما قاله: حضر إلى مكتبي سفير دولة اسرائيل الدكتور ابا ايبان، وألح عليّ بما يشبه الضغط كي تقوم الولايات المتحدة بعمل اللازم لمنع الأردن من دخول حلف بغداد. ويضيف انه اي راونتري أجابه أن الولايات المتحدة بصدد تجديد الإتفاق مع السعودية بخصوص قاعدة الظهران وأن الحصافة تتطلب أن تحرص الولايات المتحدة على الا تضايق العرب…
4) لما قرأت ذلك شعرت بالخجل الشديد إذ إنني كنت ضمن من تظاهروا ضد الحلف وما عرفت ولا عرف أترابي أننا بذلك نخدم هدف اسرائيل..!!!
5) لكنني كتب لي ان افاوضهم مع رفاق لي اشاوس والحمد لله انتزعت منهم ما هو حق للأردن كان في بطنهم..!!!

حقائق الجمالي
ما أريد أن أضيفه هنا مقتطف من كتاب لي بعنون ((الجمالي يتكلم))، يقع في (371 صفحة) نشر في حلقات صحفية في صحيفة الشرق القطرية سنة 1994، والجمالي هو المرحوم فاضل الجمالي الذي التقيته في منزله في العاصمة التونسية (تونس) على عدد كبير من الجلسات المسائية كانت تمتد حتى ساعات الفجر المبكرة.. أنا اسأل وهو يجيب، والمسجل لا يسقط حتى حرفا واحدا.. حدث ذلك قبيل مغادرتي تونس إلى الجزائر لمتابعة أعمال دورة المجلس الوطني الفلسطيني غير الإعتيادية بين 12 – 15 تشرين ثاني سنة 1988.. وهي الدورة التي اشتهرت بإسم (دورة الدولة الفلسسطينية).
محتويات الكتاب إنصبت بشكل اساس على العلاقات السورية ــــــــــــ العراقية خلال العهد الملكي في العراق.. حيث كان العراق في خمسينيات القرن الماضي متدخلا رئيسا في الأوضاع الداخلية السورية، وكان له مأربان اساسان:
الأول: الهيمنة على القرار والسياسات السورية.
الثاني: قيادة تحالف عسكري وسياسي من حلفاء الغرب في الشرق الأوسط.

لا يجوز أن نتعمق أكثر قبل أن نورد تعريفا بمن يكون السيد الدكتور فاضل الجمالي، لندرك أهمية ومغازي ما قاله.
السيد الجمالي شغل في العراق خلال العهد الملكي مواقع قيادية متقدمة، منها:
1) وزير الخارجية الذي شغله لفترات طويلة جدا.. بل أزمن فيه.
2) رئيس مجلس النواب.. الذي طال شغله له أيضا.
3) رئيس الوزراء.
وقد كان الجمالي قريبا جدا من الوصي على عرش العراق المرحوم الأمير عبد الإله.. وبعد الغزو البريطاني للعراق سنة 1942 واسقاط حكومة الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني، بدأ الجمالي يفكر في ضرورة تعظيم علاقات العراق مع اميركا على حساب العلاقات مع بريطانيا، وفي هذا السياق تم ترتيب زيارة قام بها الوصي على العرش الأمير عبد الإله لواشنطن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945، حين أخذت اميركا تفرض نفوذها على دول الشرق الأوسط على حساب النفوذين البريطاني والفرنسي.

خلال طرحي سؤالا اثناء الحوار على الجمالي وردت عي لساني عبارة ((نوري السعيد مهندس حلف بغداد)).. فثارت ثائرة الجمالي وعلى صوته نافيا بشدة أن يكون نوري السعيد هو مهندس حلف بغداد.
سألته فورا: من هو إذا مهندس هذا الحلف..؟
أجابني بلهجته النجفية: ((آني مهندس حلف بغداد.. موش نوري السعيد))..
سألته ثانية: وهل تفاخر بذلك..؟
أجاب: ((طبعا.. إنتو ما تدرون))..
ما هو الذي لا ندريه..؟
أجاب: حلف بغداد كان هدفه القضاء على اسرائيل..!!!
سألته ثانية: هل تريد أن تقول لي أن بريطانيا التي أقامت اسرائيل وسلحتها ومولتها قررت أن تنهي وجود اسرائيل..؟!
إزداد احمرار وجه الجمالي (الميال إلى الحمرة أصلا) خجلا، دون أن ينطق بحرف..
لكنه أورد عبارات عدة في اجابات أخرى له على أسئلة أخرى من طراز:
1) في زمن الملك غازي وقعنا ميثاق سعد اباد الذي كان يربط ايران وتركيا بالعراق وافغانستان.. وأجاب على سؤال عن موقف الملك غازي من توقيع هذا الميثاق، وهو الذي عرف بوطنيته الكبيرة، قائلا: (في وقتها الحكومة كانت هي التي تقرر.. الملك يملك ولا يحكم).
2) وردا على سؤال: ماذا كانت أهداف ميثاق سعد اباد..؟، قال (أن تتآخى البلاد التي وقعت عليه وتتعاون وهي تشترك في العلاقة الإسلامية والأخوية وغيره..).
3) وردا على سؤال آخر: (ألم يكن ميثاق سعد آباد جزءا من خطة استراتيجية غربية لتطويق جنوب الإتحاد السوفياتي..؟). أجاب: (لا.. ميثاق/ حلف بغداد كان ضمن هذه الخطة). وأضاف أن (ميثاق بغداد كان خطوة على طريق الإتحاد مع سوريا).. وقال صراحة (إن الذي حملني على الإندفاع لتحقيق ميثاق بغداد هو تعلقي بالإتحاد بين سوريا والعراق).. وأردف (هذا كان سرا من أسرار الدولة). وكشف الجمالي: (كلفني الإخوة السوريون أن أستمزج رأي بريطانيا وأميركا في فكرة الإتحاد السوري ــــــــــ العراقي.. كانو يريدون أن يتأكدوأ من أن اسرائيل لن تهاجم سوريا إذا أقيم هذا الإتحاد).. وكشف عن الذين كلفوه بجس نبض بريطانيا وأميركا هما صبري العسلي وفيصل الأتاسي..
4) وقال الجمالي أيضا دون سؤال: (نحن كنا نريد حلا للقضية الفلسطينية. ونوري السعيد طلب في اجتماع سري عقد في أنقرة إتخاذ قرار بإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم وحل القضية الفلسطينية)..
5) وكشف الجمالي عن لقاء عقد في بغداد بحضور جون فوستر دالاس وزير خارجية أميركا الذى أملى على العراق صيغة تنص على أن تحل القضية الفلسطينية، وأن تعاد للأمم المتحدة في جلستها المقبلة لتحل على أساس مقررات سنة 1948 ــــــــــ 1949.. أي تقسيم فلسطين وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وأن يتولى المجالي شخصيا طرح القضية في الأمم المتحدة, وأن تؤيد أميركا طرح القضية وحلها.
ونختم.. هذه هي الحقائق على لسان فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق الأسبق.. ولسنا في حاجة لأن ننفي ما أورده السيدان المجالي وحدادين..
بل أقول.. ما قرأه السيد حدادين في الأرشيف الأميركي صحيح.. لكنه لا يفيد البتة أن محاربة الشعوب العربية لحلف بغداد فوتت انتصارا مذهلا على اسرائيل..
القراءة السليمة والفهم السليم هي أن اسرائيل التي ترفض حتى الآن تزويد أميركا لدول التطبيع العربي بالأسلحة المتطورة لا تقبل ذلك من قبيل الإحتراز لا أكثر.