القسوس يكتب :آفة المخدرات زلزال يضرب أركان المجتمع

ساعة واحدة ago
القسوس يكتب :آفة المخدرات زلزال يضرب أركان المجتمع

لم تعد آفة المخدرات في عصرنا الراهن مجرد عارض صحي طارئ أو انحراف سلوكي عابر يمكن احتواؤه بالوسائل التقليدية، بل إنها باتت أشبه بزلزال مدمر يضرب أركان المجتمع في مقتل، ويقوّض بنيانه من القواعد. إننا أمام حرب خفية، ممنهجة ومستعرة، لا تستهدف الحدود الجغرافية للدول، بل تستهدف الإنسان في أقدس ما يملك: عقله، وإرادته، ومستقبله. ومن واقع المسؤولية الوطنية والمجتمعية التي يتحتم على كل منا حملها، يغدو من الواجب تسليط الضوء على الحقائق الصادمة والآثار الكارثية لهذا الداء العضال، الذي يتسلل إلى جسد الأمة لينخر فيه هدمًا وتبديدًا، بدءاً من الفرد، مروراً بالأسرة، وصولاً إلى المجتمع بأسره.
تبدأ المأساة من نقطة ارتكاز المجتمع، وهي الفرد؛ فإصابة الإنسان بهذا الداء تعني اغتيال ذاته وتبديد إرادته، حيث تسلب المخدرات منه طموحه، وتحيل الطاقات الشابة الواعدة والمبدعة إلى رماد من الخمول المزمن، والإهمال التام، والانحراف المزاجي الحاد، مما يجرد المرء من أدنى درجات الحافز لتحقيق أهدافه. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليعزل المتعاطي عن محيطه الأسري والاجتماعي؛ فبفعل سلوكياته المنحرفة واهتزاز منظومته القيمية والأخلاقية، يتحول إلى غريب منبوذ بين جيرانه وزملائه، وصولاً إلى النهاية المأساوية التي تضع حداً لهذا الانحدار، حيث تشير الحقائق المروعة إلى ارتباط وثيق بين الإدمان والنزوع نحو الانتحار، ناهيك عن شبح الموت المفاجئ الذي يتربص بالمتعاطي إثر الجرعات الزائدة القاتلة.
وإذا كان الفرد هو المستهدف الأول، فإن الأسرة هي الضحية المباشرة التي تتلقى الشظايا؛ فالأسرة هي نواة المجتمع، وإذا تسرّب الفساد إليها تداعى البنيان كله، والمخدرات هي المعول الأشد هدمًا لكيان البيوت. تتبدى هذه الكارثة في ولادة أطفال مشوهين جسديًا ونفسيًا، محمّلين بأمراض وإدمان موروث نتيجة تعاطي الأمهات. وعلى الصعيد الاقتصادي، تسهم هذه الآفة في إحداث انهيار مالي حاد للأسرة، حيث تُبدَّد المقدرات المالية على تحصيل السموم، مما يدفع الأطفال قسراً إلى سوق العمل والعمالة القسرية أو مهاوي الانحراف لتأمين قوت يومهم في ظل غياب العائل الواعي. هذا بالإضافة إلى بيئة التوتر الدائم، ومخاطر المحاكاة؛ حيث يدفع الفضول الأبناء ومراهقي الأسرة إلى تقليد الآباء في التعاطي، مما يعني إعادة إنتاج الجريمة عبر الأجيال.
وعلى مستوى الدولة والمجتمع، يتحول الإدمان إلى نزيف قومي مستمر ومستنزف للموارد؛ إذ تُهدر أموال طائلة من ميزانية الدولة في عمليات مكافحة التهريب، وحراسة الحدود، وبناء مراكز العلاج والتأهيل، وهي أموال كان الأولى أن تُوجّه نحو مشروعات التنمية والتعليم وبناء المستقبل. هذا الاستنزاف المالي يترافق مع شلل اقتصادي ناتج عن تراجع إنتاجية الفرد، مما يصيب الاقتصاد بجمود حاد. ويبلغ الخطر ذروته بانفلات المنظومة الأمنية، وتفشي الجرائم البشعة والفساد؛ إذ يتحرك المتعاطي في وادي اللاوعي السحيق، فلا يميّز بين حلال وحرام، أو مباح ومحظور، مما يهدد السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
إن مواجهة هذا الخطر الداهم لم تعد شأناً أمنياً بحتاً متروكاً للأجهزة الرسمية وحدها، بل هي معركة وعي وجودية يخوضها كل فرد منا في بيته، ومدرسته، وعمله، وهي تستدعي وقفة حازمة وتضافراً مخلصاً من كافة قوى المجتمع.
وهنا يتبدى النداء حاراً وصادقاً لشبابنا الواعد، عصب الأمة وأملها الباسم، بأن يدركوا أن عقولهم وإرادتهم هي ثروة الأمة الحقيقية، فلا يبيعوها في سوق الوهم والسراب؛ إن تجربة التعاطي ليست دليلاً على الحرية أو النضج، بل هي أولى خطوات العبودية لسمٍّ قاتل يسلب الإنسان كرامته، ولذا وجب التمسك بالطموحات، وأن تكون القوة في الوعي والقدرة على قول “لا” لكل ما يدمر الحاضر والمستقبل.
وفي ذات السياق، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الأسر، حصن الحماية وحائط الصد الأول؛ فالأبناء أمانة في الأعناق، وتحصينهم ضد الأفكار الوافدة والسموم العابرة يبدأ بالاحتواء، والحوار البناء، والمراقبة الواعية الصامتة دون تضييق. إن كون الآباء قدوة صالحة وملاذاً آمناً يلجأ إليه الأبناء في لحظات ضعفهم وانكسارهم، مع الاكتشاف المبكر لأي تغير سلوكي، هو الحصن المنيع الذي تتحطم عليه مؤامرات تجار السموم.
ختاماً، إن المجتمع بأكمله، بسياجه المنيع وضميره الحي، مطالب اليوم بالإدراك الواعي بأن السكوت عن ترويج المخدرات، أو غض الطرف عن مروجيها، أو محاولة التستر عليهم، هو خيانة صريحة للوطن وطعنة غادرة في ظهر مستقبله. إن التضامن المجتمعي، ونشر الوعي، ونبذ هذه الآفة ومحاربتها بكل الوسائل المتاحة، هو واجب ديني وأخلاقي ووطني لا يحتمل التهاون أو التراجع؛ فحماية الأوطان تبدأ من حماية الإنسان، وتحصين فكره وسلوكه. حفظ الله شبابنا من كل سوء، وحمى وطننا الغالي من كيد العابثين والمفسدين وتجار السموم، ليبقى دائماً واحة أمن واستقرار وبناء.