نــقيـــــب الجيـولوجييـــــن الأردنييــــــن
رئيس اتحاد الجيولوجيين العــرب
الجيولوجي خالد فياض الشوابكة
في الخامس والعشرين من أيار في كل عام، يقف الأردنيون بكل فخر واعتزاز أمام واحدة من أعظم المحطات في تاريخ الوطن؛ ذكرى استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، تلك المناسبة الوطنية التي لم تكن مجرد إعلان سياسي بإنهاء مرحلة من الانتداب، بل كانت ولادة مشروع دولة عربية حديثة، قامت على الإرادة الحرة، والشرعية الهاشمية، والانتماء العربي الأصيل.
لقد شكّل الاستقلال عام 1946 نقطة تحول تاريخية في مسيرة الأردن، حين أعلن الملك المؤسس الملك عبدالله الأول بن الحسين استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، واضعًا اللبنة الأولى لدولة المؤسسات والقانون، دولةٍ آمنت بالإنسان الأردني، وجعلت من الكرامة والسيادة والهوية الوطنية ركائز ثابتة في مسيرتها. ومنذ ذلك اليوم، بدأ الأردن رحلة بناء شاقة في بيئة إقليمية مضطربة، لكنه استطاع بحكمة قيادته وإخلاص شعبه أن يتحول إلى نموذج في الاستقرار والاعتدال والقدرة على مواجهة التحديات.
إن الحديث عن الاستقلال الأردني هو حديث عن مسيرة وطنٍ بُني بالإرادة والتضحيات، وعن أجيال متعاقبة حملت مسؤولية البناء والدفاع عن الوطن، فكان الجيش العربي المصطفوي عنوانًا للفداء والبطولة، وكانت المؤسسات الوطنية ركيزة لترسيخ الأمن والاستقرار وسيادة القانون. وقد أثبت الأردنيون عبر العقود أنهم شعب قادر على تجاوز الصعوبات وتحويل التحديات إلى فرص، رغم محدودية الموارد وتعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي في المنطقة.
وفي ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، واصل الأردن مسيرة التحديث والتنمية، فشهد تطوراً ملحوظاً في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب دوره السياسي والإنساني البارز على المستوى العربي والدولي. ويواصل جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين قيادة مسيرة الإصلاح والتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، برؤية تستند إلى بناء دولة قوية حديثة، قادرة على مواكبة التحولات العالمية، وتعزيز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً.
ولعل ما يميز الأردن في مسيرته الوطنية أنه لم يتخلَّ يوماً عن دوره القومي والإنساني، فكان دائمًا صوت الحكمة والاعتدال، ومدافعًا عن قضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما شكّل نموذجًا في احتضان الأشقاء وتقديم الواجب الإنساني رغم التحديات الاقتصادية الكبيرة. وهذا يعكس جوهر الدولة الأردنية التي قامت منذ تأسيسها على قيم العدل والتسامح والإنسانية.
إن ذكرى الاستقلال ليست مناسبة احتفالية عابرة، بل هي محطة وطنية نستحضر فيها مسؤوليتنا تجاه الوطن، ونراجع فيها ما تحقق من إنجازات وما ينتظرنا من تحديات. فالاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بالعمل والإنتاج والاعتماد على الذات، وتعزيز الاقتصاد الوطني، والاستثمار في الموارد البشرية والطبيعية، وترسيخ ثقافة العلم والابتكار.
ومن هنا، تبرز أهمية القطاعات الوطنية الإنتاجية، وفي مقدمتها قطاع التعدين والثروات الطبيعية، باعتباره أحد المحاور الاستراتيجية لتعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة. فالأردن يمتلك ثروات جيولوجية ومعدنية مهمة، يمكن أن تشكل قاعدة اقتصادية قوية إذا ما تم استثمارها وفق رؤية علمية حديثة تعتمد على التصنيع والقيمة المضافة والمعرفة التقنية. إن بناء اقتصاد وطني قوي هو أحد أشكال حماية الاستقلال وتعزيز السيادة الوطنية، لأن الدول القوية اقتصاديًا أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني وتحقيق مصالح شعوبها.
كما أن الاستقلال يحمل في مضمونه مسؤولية الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه، وتعزيز روح الانتماء والولاء، ونبذ كل أشكال التعصب والانقسام. فالأردن عبر تاريخه كان قويًا بوحدته الوطنية، وبالعلاقة المتينة بين القيادة والشعب، وبإيمان الأردنيين بأن الوطن هو البيت الجامع الذي لا بديل عنه.
وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة نرفع إلى مقام صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم أدام الله عزّه وسدّد على طريق الخير خُطاه أسمى آيات التهنئة والتبريك بمناسبة عيد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية الثمانين، هذا اليوم الذي نستذكر فيه بكل فخرٍ واعتزاز معاني التضحية والكرامة التي غرسها الآباء المؤسسون، ونجدّد فيه العهد بأن نظلّ الأوفياء للمسيرة الخالدة التي يقودها بكل حكمة واقتدار.
كما نستذكر بكل تقدير وإجلال شهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الأردن وكرامته، ونحيّي القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية التي تواصل الليل بالنهار لحماية أمن الوطن واستقراره، كما نستذكر جهود كل الأردنيين الذين ساهموا في بناء الدولة ومؤسساتها وإنجازاتها في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية والمهنية.
سيبقى الأردن، بإذن الله، وطن العزة والكرامة، واحة أمن واستقرار، وموطناً للإرادة الحرة والإنجاز. وستبقى راية الاستقلال خفاقة تحمل رسالة وطنٍ صنع مجده بالصبر والعمل والإيمان.
حمى الله الأردن قيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وكل عام والوطن بألف خير.






