الاستقلال الناجز… ميلاد وطن خرج من عباءة الانتداب إلى هيبة الدولة

ساعة واحدة ago
الاستقلال الناجز… ميلاد وطن خرج من عباءة الانتداب إلى هيبة الدولة

وطنا اليوم _

المستشار / جميل سامي القاضي.

في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، لم يكن الأردن يحتفل بيوم عابر في رزنامة التاريخ، ولم يكن الأمر مجرد تغيير في الألقاب السياسية أو تبديل في شكل الحكم، بل كان ذلك اليوم إعلانا صريحا بأن هذه الأرض قد غادرت زمن الوصاية إلى فضاء الدولة الحرة كاملة السيادة.

ففي ذلك اليوم، أُسدلت ستائر الانتداب البريطاني، وارتفعت راية المملكة الأردنية الهاشمية، ليبدأ عهد جديد عنوانه الكرامة الوطنية والقرار المستقل.

إن مفهوم “الاستقلال الناجز” لا يعني فقط نهاية الانتداب، بل يعني اكتمال الإرادة السياسية للدولة الأردنية، وانتقالها من مرحلة الإمارة المحدودة الصلاحيات إلى دولة تمتلك سيادتها الكاملة على أرضها وقرارها ومؤسساتها ، لقد كان ذلك التحول لحظة ولادة وطن، لا مجرد إجراء دستوري ، لحظة خرج فيها الأردن من عباءة التبعية إلى هيبة الدولة، ومن هامش الجغرافيا السياسية إلى قلب المعادلة الإقليمية.

ولأن الأوطان العظيمة لا تمنح بل تنتزع انتزاعا، جاء الاستقلال الأردني ثمرة نضال طويل وصبر ثقيل وإرادة لا تنكسر ، فقد أدرك الأردنيون مبكرا أن الدولة ليست حدودا مرسومة على الورق، بل مشروع كرامة وسيادة ووجود.

ومن هنا، حمل الهاشميون راية النهضة العربية ورسالة التحرر، فكان الأردن رغم محدودية موارده وقلة إمكاناته قادرا على أن يصنع لنفسه مكانة وهيبة واحتراما بين الأمم.

لقد جاء الاستقلال في مرحلة كانت المنطقة تعج بالاضطرابات والتجاذبات الدولية، وكانت الدول الكبرى ترسم خرائط النفوذ والمصالح، إلا أن الأردن استطاع، بحكمة قيادته وصلابة شعبه، أن يثبت أنه ليس دولة طارئة أو كيانا هشا، بل دولة ذات جذور وهوية ورسالة ، ولذلك لم يكن إعلان المملكة الأردنية الهاشمية حدثا محليا فحسب، بل إعلانا عن ميلاد دولة عربية تمتلك مشروعها السياسي الخاص وإرادتها الحرة.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ الأردنيون رحلة البناء الكبرى ، رحلة شاقة لم تكن مفروشة بالرخاء ولا بالاستقرار السهل، بل بالتحديات والحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية ، ومع ذلك، ظل الأردن واقفا كالصخر، عصيا على الانكسار، يحافظ على وحدته الوطنية واستقراره ومؤسساته، بينما كانت خرائط كثيرة من حوله تتبدل وتسقط وتتفتت.

لقد أثبت الأردن أن قوة الدول لا تقاس بحجم الثروات وحدها، بل بصلابة مؤسساتها، وبوعي شعبها، وبالشرعية التي تستند إليها ، ولهذا بقي الجيش العربي المصطفوي رمزا للعزة والكرامة، وبقيت مؤسسات الدولة حصنا يحمي الوطن من الفوضى والانهيار، وبقي الأردنيون يحملون وطنهم في قلوبهم باعتباره قضية وجود لا مجرد مكان للسكن والإقامة .

إن الاستقلال الناجز لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته ، فمع كل مرحلة تاريخية، كان الأردن يخوض معركة جديدة للحفاظ على استقلال قراره السياسي والاقتصادي، في وجه الضغوط الإقليمية والدولية، وفي ظل أزمات متلاحقة عصفت بالمنطقة. ظل هذا الوطن قادرا على التوازن والثبات، لأنه تأسس على فكرة الدولة لا على نزوات السلطة، وعلى مفهوم الشرعية لا على منطق الغلبة.

واليوم، ونحن نستحضر ذكرى الاستقلال، فإننا لا نستذكر الماضي باعتباره حكاية عاطفية، بل باعتباره مسؤولية وطنية متجددة. فالاستقلال الحقيقي لا يختصر بخروج المستعمر، بل بقدرة الدولة على حماية قرارها الوطني، وصيانة كرامة مواطنيها، وتعزيز العدالة، ومحاربة الفساد، وبناء اقتصاد قوي يليق بتضحيات الأردنيين.

إن أخطر ما قد تواجهه الأمم ليس الاحتلال العسكري فقط، بل احتلال الإرادة، وتآكل الثقة بالدولة، وتحول الانتماء الوطني إلى شعارات موسمية ترفع في المناسبات ثم تنسى ، لذلك فإن الحفاظ على الاستقلال الناجز يقتضي أن يبقى الأردن دولة مؤسسات وقانون، وأن يبقى الولاء للوطن فوق المصالح الضيقة، وفوق الحسابات الشخصية والفئوية.

لقد علمنا الأردن أن الأوطان لا تبنى بالضجيج والخطابات وحدها، بل بالعمل والصبر والإيمان بالدولة. وعلمنا أن الكرامة الوطنية ليست شعارا يكتب على الجدران، بل موقفا وسيادة وقرارا مستقلا لا يباع ولا يشترى.

في الخامس والعشرين من أيار، لا يحتفل الأردنيون بذكرى عابرة، بل يستحضرون لحظة ميلاد وطن قرر أن يكون سيدا حرا، وأن يبقى رغم كل العواصف واقفا بعنفوانه، مرفوع الرأس، ثابت الراية، عصيا على الانكسار. فالأردن الذي خرج من رحم التحديات، لم يكن يوما دولة هامشية، بل وطنا صاغ مجده بالصبر، وكتب تاريخه بالإرادة، وحمى استقلاله برجال آمنوا أن الوطن أكبر من المصالح، وأبقى من الأفراد، وأعظم من كل الظروف.

حمى الله الاردن وشعبه تحت راية قيادته الهاشمية المظفرة وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم وولي عنده الامين الامير الحسين بن عبدالله المعظم