منع النشر بين حرية الإعلام وحماية العدالة

59 دقيقة ago
منع النشر بين حرية الإعلام وحماية العدالة

وطنا اليوم _

بقلم : المحامي حسين احمد الضمور

قراءة قانونية في فلسفة حظر النشر وأثره على سير العدالة

يثور الجدل في كثير من القضايا الجزائية حول قرارات منع النشر، بين من يراها تقييدًا لحرية الإعلام والرأي العام، وبين من يعتبرها ضرورة قانونية لحماية العدالة وضمان نزاهة الإجراءات.

والحقيقة القانونية أن الأصل في المحاكمات هو العلنية، وأن حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة من المبادئ الدستورية الراسخة، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تقف عند حدود حماية النظام العام وحقوق الأفراد وسلامة القضاء.

فالمشرّع الأردني لم يأتِ بمنع النشر عبثًا، وإنما جعله أداة قانونية استثنائية تُستخدم عندما يكون النشر سببًا في التأثير على مجريات التحقيق أو المحاكمة أو الرأي العام.

وقد نصّ الدستور الأردني في المادة (15) على كفالة حرية الرأي والتعبير، لكنه أجاز تنظيمها بالقانون. كما جاءت التشريعات الجزائية وقوانين المطبوعات والنشر لتؤكد أن حرية الإعلام لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للتأثير على القضاء أو التشهير بالأشخاص قبل صدور الأحكام القطعية.

كما أن قاعدة:

“المتهم بريء حتى تثبت إدانته”

ليست مجرد عبارة تُقال، بل هي أصل دستوري وقانوني وإنساني، تستوجب حماية المتهم من الإدانة المجتمعية المسبقة، وحماية المجني عليه كذلك من الاستغلال الإعلامي أو التشهير.

ومن هنا، فإن منع النشر لا يُقصد به حجب الحقيقة عن الناس، وإنما حماية الحقيقة ذاتها من التشويه أو الاستباق.

وقد نصت المادة (225) من قانون العقوبات الأردني على تجريم نشر ما يؤثر على القضاء أو على القضاة أو الشهود أو سير العدالة، كما منحت القوانين المختصة للنيابة العامة والمحاكم صلاحية حظر النشر في القضايا التي تستوجب ذلك حفاظًا على المصلحة العامة.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخبر القضائي بحد ذاته، بل في المحاكمات الشعبية التي تُقام عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتحول البعض إلى قضاة ومحققين وجلادين في آنٍ واحد، دون دليل أو بينة أو احترام لأصول المحاكمات.

وكم من شاهدٍ تراجع عن الإدلاء بشهادته خوفًا من الهجوم أو التشهير، وكم من شخصٍ أُدين مجتمعيًا قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة.

فالعدالة تحتاج إلى الهدوء، لا إلى الضجيج،

وإلى الدليل، لا إلى الانفعال،

وإلى قاعة محكمة، لا إلى محكمة إلكترونية مفتوحة.