القدس… عنوان الحرب والسلام

3 ساعات ago
القدس… عنوان الحرب والسلام

ناصر الزماعرة
كاتب وباحث
ليست القدس مجرد مدينةٍ تتنازع عليها الجغرافيا والسياسة، بل هي قلب الصراع في الشرق الأوسط، والرمز الذي تتقاطع عنده العقائد والتاريخ والهوية. فمنذ آلاف السنين، لم تكن القدس يوماً مدينة عادية؛ كانت دائماً الشرارة التي تشعل الحروب، والمفتاح الذي لا يمكن تحقيق السلام من دونه.
فالقدس تختصر جوهر القضية الفلسطينية، وتمثل الامتحان الحقيقي لأي مشروع سلام أو تسوية سياسية في المنطقة. ولهذا لم يكن الصراع عليها صراع حدود فحسب، بل صراع وجود ورواية وسيادة وهوية دينية وتاريخية.
القدس… عنوان الحرب
تُعد القدس من أكثر مدن العالم تعرضاً للصراعات والحروب، ويرجع ذلك إلى مكانتها الدينية والسياسية والاستراتيجية الفريدة.
فعند المسلمين، تحتضن المدينة المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى الرسول محمد ﷺ. وعند المسيحيين، تضم كنيسة القيامة التي تمثل أقدس المواقع المسيحية المرتبطة بصلب السيد المسيح وقيامته بحسب العقيدة المسيحية. أما عند اليهود، فتحتل مكانة مركزية باعتبارها موضع “الهيكل” وفق المعتقد اليهودي، وفيها حائط البراق الذي يسميه اليهود “حائط المبكى”.(المعبد) الذي هدم عام 70 للميلاد على يد القائد الروماني تيتوس بعد حصار طويل لمدينة القدس وحرقها اثناء التمرد اليهودي الكبير. مما ادى الى تشت اليهود بالعالم.
هذه الرمزية الدينية الهائلة جعلت السيطرة على القدس تتجاوز مفهوم الاحتلال العسكري أو النفوذ السياسي، لتتحول إلى معركة رمزية ووجودية تمس العقيدة والهوية والانتماء.
سياسياً، تمثل القدس حجر الزاوية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ لا يمكن لأي تسوية نهائية أن ترى النور دون حسم مستقبل القدس الشرقية والمسجد الأقصى والسيادة على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
ولذلك غالباً ما تتحول القدس إلى نقطة الانفجار الكبرى؛ فالأحداث التي تبدأ في باب العامود أو الشيخ جراح أو ساحات المسجد الأقصى، سرعان ما تمتد إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وقد تشعل المنطقة بأكملها.
القدس… عنوان السلام
وفي المقابل، يدرك العالم أن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق دون حل عادل لقضية القدس.
فالمدينة ليست مجرد ملف تفاوضي، بل هي مفتاح الاستقرار الإقليمي. وكل محاولات تجاوز القدس أو فرض أمر واقع فيها أثبتت أنها تؤدي إلى مزيد من التوتر والعنف والانفجار.
وفي الرؤى الإنسانية والحضارية، يمكن للقدس أن تتحول إلى نموذج عالمي للتعايش بين الأديان والثقافات، إذا ما أُقيمت العدالة، وانتهت سياسات الاحتلال والتمييز والقمع.
كما تبقى القدس القضية القادرة على توحيد الضمير العالمي حول ضرورة احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وترفض تغيير هويتها الديموغرافية والتاريخية.
سباق الزمن لتغيير هوية القدس
ولا يخفى على أحد أن إسرائيل تسابق الزمن لفرض تغييرات جوهرية في القدس، خاصة داخل المسجد الأقصى المبارك، عبر تكريس سياسة التقسيم الزماني والمكاني، مستغلة المناسبات والأعياد اليهودية لتوسيع اقتحامات المستوطنين لباحات الأقصى، في مقابل التضييق على المسلمين ومنعهم من الوصول والصلاة فيه.
وفي الوقت ذاته، تستمر عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي الإسلامية والمسيحية، ومحاولات تهجير سكان القدس، وفرض المناهج الإسرائيلية، وفصل المدينة عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، بما يهدف إلى تكريس واقع سياسي وديموغرافي جديد.
كما تعمل إسرائيل على إضعاف أي حضور سيادي فلسطيني داخل المدينة، إلى جانب التضييق على دور الأوقاف الأردنية المشرفة على الحرم القدسي الشريف، في محاولة لإعادة تشكيل هوية القدس وتاريخها بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
فإسرائيل ترفع شعار: “لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل”، بينما يؤمن الفلسطينيون والعرب والمسلمون بأن القدس ليست مجرد أرض، بل قضية عقيدة وهوية وتاريخ ومستقبل.
في الختام
ستبقى القدس البوصلة الحقيقية للمنطقة؛ فإذا ساد فيها العدل والحرية، اتجهت المنطقة نحو السلام، وإذا استمرت سياسات الاحتلال والاستيطان وفرض الأمر الواقع، فإن القدس ستظل الشرارة القادرة على إشعال الحروب والانفجارات.
ولهذا قيل دائماً:
“من القدس يبدأ السلام… ومن القدس تندلع الحرب.”