بقلم الكاتب سامح محاريق
بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، تصدى أقاربه من الأمويون للمطالبة بثأره، ورفعوا قميصه ليعطلوا أي محاولة لا تخدم غايتهم في الاستئثار بالخلافة… ويبدو أن فلسطين أصبحت القميص الذي ترفعه أي جهة لخلط الأوراق… ويبدو أن الطريق إلى القدس الذي يعرف الجميع موقعها من الخريطة يتجول في المنطقة من غير أن يكون قريبًا في أي يوم من القدس.
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة… معركة تحرير الأرض والإنسان… هكذا كتمت الأصوات وغيبت الحقيقة!
آلاف الشيوعيين والإسلاميين ذهبوا للسجون لأن المعركة هي الصوت الوحيد، ولا أحد يعرف إلى اليوم ما علاقة جبال اليمن بتحرير فلسطين! ولم يحاسب أحد على المعركة وتكلفتها، على العكس من ذلك، وجد الفلسطينيون أنفسهم يطالبون باستعادة أرض لم تكن محتلة قبل الخامس من حزيران، وضمنيًا كان الذين خاضوا المعركة يعترفون بإسرائيل كأمر واقع ويطالبونها بالانسحاب مما أعطى شرعية لوجودها في المغتصب من الأرض في 1948.
الفرع الذي كان بوابة واسعة لصيدنايا أسماه السوريون فرع فلسطين.
تصفية الحسابات بين الطوائف اللبنانية استدعت أن ينقسموا حول فلسطين ويضعوها في المنتصف وهم يتراشقون بالموت والرعب، مع أنهم منقسمون من قبلها بسنوات طويلة.
الجميع ذهبوا إلى مدريد بعد أن فشلت قوات صدام حسين في الاستدلال على طريق القدس داخل الكويت.
الجميع، وكلن يعني كلن! ومع ذلك عندما فشل التفاوض لأسباب تتعلق بالتفاصيل التي تخصهم عادوا ليرفعوا قميص فلسطين…
عندما ذهب الإيرانيون إلى جنيف قبل فترة وجيزة كان التفاوض حول البرنامج النووي والصواريخ الباليستية التي استهلكت في معظمها داخل دول الخليج، ولم يكن ثمة ما يؤشر إلى وجود فلسطين لا صراحةً ولا تلميحًا في أجندة التفاوض.
ومع ذلك، تبقى فلسطين القميص الذي يرفعه الجميع.
الفلسطينيون أنفسهم يرفعون هذا القميص في مواجهة بعضهم، ويحدث أن يكون فلسطيني عائدًا من عمله المجزي في تكساس ليجلس إلى شاشة الكمبيوتر ليلقن ابن غزة الذي يعيش في خيمة مفتوحة للريح والمطر مبادئ الصمود والمقاومة!
الفلسطيني يلوم الدول العربية بعد أن يقضي ساعات طويلة بين الحواجز، ولا يعرف أن الدول العربية هي ضحية أربعمائة عام من الإهمال والتهميش والخضوع لنزوات السلاطين وأهواء الإنكشارية.
العرب يلومون الفلسطينيين وكأنهم امتلكوا من أمرهم شيئًا، ولم تكن بلادهم مثل غيرها مجرد إقطاعية من أملاك السلطان.
مليون لبناني يبيتون في الشوارع في بيروت… والقميص نفسه يرفع فوق رؤوسهم!
ولم يتعلم أحد من الخامس من حزيران ولا التاسع من نيسان ولا أحد يعرف التاريخ الجديد الذي سنضيفه لمعجم الهزيمة.
اللاجئ الفلسطيني كان صعبًا عليه أن يصدق كل ذلك، ولا أحد يمكن أن يلومه، هل تعرف معنى أن تشاهد بيتك ولا تستطيع دخوله مهما كان الجو عاصفًا من حولك؟ إذا كنت غير قادر على تخيل ذلك، فأي حكم أخلاقي على الفلسطينيين يبقى ناقصًا ومعيبًا جوهريًا.
الفلسطيني الذي بقي في أرضه كان صعبًا عليه أن يستوعب هندسة الإهانة اليومية.
المهانة الناعمة عندما يعرف أنه لا يساوي شيئًا وأنه المضطر لكل شيء، لدرجة أن الجدار العازل الذي يحبس الفلسطينيين بناه عمال فلسطينيين، والمهانة الخشنة عندما يصبح قتله تسلية لجنود الاحتلال يذهبون بعده للاستماع إلى أغانيهم المفضلة.
وفي وسط ذلك، كانت الثورة تتحول إلى وظيفة، وتصبح كشوفات تأليف القلوب والمنح الدراسية التي يلقاها ثوار التلفزيونات والقنوات السرية أكثر حضورًا من فلسطين كلها، وفي وسط ذلك، ليس عليك مهما كنت غير أخلاقي وغير إنساني إلا أن تضع على كتفك الكوفية الفلسطينية لتحصل على براءة أخلاقية مريحة، أنت حتى لا تدفع ثمنًا لائقًا مثلما كان يفعل مشترو صكوك الغفران في العصور الوسطى.
لنترك فلسطين جانبًا… بالله عليكم، لتتركوها في حالها.






