الوعي في زمن حرب المشاريع

3 ساعات ago
الوعي في زمن حرب المشاريع

د. هاني محمود العدوان
منذ اللحظة التي اندلعت فيها الحرب التي شنتها أميركا والكيان الصهيوني على إيران وأنا أراقب المشهد بعين القلق وبعقل الباحث الذي يحاول أن يفهم ما يجري حوله في فضاءات الرأي العام داخل مجتمعاتنا العربية
تابعت حجم الجدل والسجال الذي اشتعل بين أبناء الأمة الواحدة وراقبت كيف ارتفعت نبرة الاتهام والتخوين بين الناس حتى بدا وكأن المعركة التي تدور في سماء المنطقة قد انتقلت إلى داخل العقول والبيوت والفضاءات العامة
وفي الأردن على وجه الخصوص ظهرت حالة من الانقسام الحاد في الرأي تجاوزت حدود الاختلاف الطبيعي في المواقف السياسية إلى لغة الاتهام والتشكيك
فهذا يتهم ذاك بأنه يقف في صف إيران وآخر يرد باتهام مضاد بأن من يعارض إيران إنما يدافع عن الكيان الصهيوني
ووصل الأمر لدى بعض الأصوات إلى حد اتهام الدولة الأردنية بأنها تدافع عن إسرائيل لأنها تتصدى للصواريخ والمسيرات التي تمر في أجوائها
وهنا تبرز حقيقة ينبغي أن تقال بوضوح
العرب لم يذهبوا إلى هذه الحرب ولم يعلنوا هذه المواجهة ولم يفتحوا جبهاتها
لكن أجواءهم تحولت إلى ممرات للصواريخ وأراضيهم أصبحت جزءا من مسار النار المتبادل بين القوى المتصارعة
الصواريخ والمسيرات تعبر فوق سماء الدول العربية والمخاطر الأمنية تطرق أبوابها والقلق يطال استقرارها واقتصادها وأمن شعوبها
ومن حق أي دولة في العالم بل من واجبها أن تحمي سيادتها وحدودها وأجواءها
السيادة مسؤولية مباشرة في حماية الأرض والسماء والإنسان فالدولة التي تسمح بأن تتحول أجواؤها إلى ممر للصواريخ والطائرات دون أن تدافع عنها تتخلى عن أحد أهم معاني السيادة الوطنية
ومن هنا فإن الدفاع عن الأجواء العربية وفي مقدمتها الأجواء الأردنية واجب سيادي تقوم به كل دولة تحترم نفسها وتحفظ أمن شعبها
غير أن ما يثير الأسى أن هذا المعنى الواضح تحول لدى بعض الخطابات المتشنجة إلى مادة للتشكيك والتخوين وكأن حماية الوطن أصبحت تهمة تحتاج إلى دفاع
أيها العقلاء من أبناء هذه الأمة حكاما وشعوبا على هذه الأرض التي تتكلم العربية
إن ما يجمعنا رابط عظيم قوميتنا واحدة وديننا واحد اسمه الإسلام رسالة سماوية سمحة جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو منا ولنا ورسالة الإسلام هي التي جمعت هذه الأمة عبر القرون
وقد خاطبنا القرآن الكريم بقوله تعالى
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
فكيف تحولت هذه الأمة التي جمعها الإيمان إلى ساحة انقسام مذهبي حاد وكيف أصبح بعضنا يرى الآخر خصما لأنه سني أو شيعي أو ينتمي إلى مدرسة فقهية أو فكرية مختلفة
إن عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما زوجة رسول الله هي منا ولنا وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجة علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي منا ولنا وأحفاد الرسول الحسن والحسين هم منا ولنا جميعا
كذلك الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم جميعا
هذه الأسماء جزء من وجدان الأمة كلها
ولذلك فإن المشكلة التي نعيشها اليوم لا تتعلق بانقسام ديني بين سنة وشيعة ولا بصراع بين المسلمين والمسيحيين ولا بخلاف ديني مع اليهود كأتباع ديانة
المشكلة الحقيقية تكمن في أمر آخر
نحن نعيش في قلب منطقة تتصارع عليها مشاريع الهيمنة والنفوذ
الصراع الدائر اليوم في الشرق الأوسط صراع مشاريع سياسية واستراتيجية تستخدم الدين والمذهب أدوات تعبئة وتحشيد
فإيران تحمل مشروعا إقليميا واضحا يسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة
والكيان الصهيوني يحمل مشروعا توسعيا يسعى إلى الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط وضمان تفوقه العسكري والسياسي فيه
أما أميركا فقد أصبحت الحارس الدولي لهذا المشروع الصهيوني بسبب النفوذ العميق الذي تمارسه المنظمات الصهيونية داخل القرار الأميركي وعلى رأسها منظمة إيباك التي نجحت عبر عقود طويلة في بناء شبكة نفوذ واسعة داخل المؤسسات السياسية والإعلامية والمالية في واشنطن
ولهذا أصبحت إسرائيل قادرة على دفع الولايات المتحدة إلى حروب ومغامرات عسكرية في المنطقة
من العراق إلى ليبيا إلى سوريا إلى اليمن إلى السودان تحولت المنطقة العربية إلى ساحات صراع دفعت شعوبها أثمانا باهظة من الدم والاستقرار والتنمية
وفي المقابل فإن المشروع الإيراني استثمر كثيرا من هذه الصراعات لتعزيز نفوذه في عدد من الساحات العربية عبر أدوات سياسية وعسكرية متعددة
ولهذا فإن الخلاف بين العرب وإيران يرتبط أساسا بالنفوذ والمصالح والجغرافيا السياسية بينما استُخدمت المذهبية سلاحا لإشغال المجتمعات العربية بصراعات داخلية
أما القضية الفلسطينية التي تمثل القضية المركزية للعرب فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى شعار سياسي تستخدمه أطراف مختلفة لتعزيز حضورها في المنطقة
السؤال الذي يجب أن يطرح بقوة أين كان الدور الإيراني العسكري في الحروب العربية الكبرى مع إسرائيل أين كانت جيوشها في حروب 1948 و1967 و1973 وأين كان السلاح الإيراني في تلك المواجهات التي خاضتها الجيوش العربية دفاعا عن فلسطين
هذه الأسئلة تهدف إلى وضع الأمور في إطارها الواقعي
ومع ذلك فإن من حق إيران مثل أي دولة أخرى أن تدافع عن حدودها وأرضها وشعبها إذا تعرضت لاعتداء
ومن حق الدول العربية كذلك أن تدافع عن سيادتها وأجوائها وأمنها الوطني
وهنا نصل إلى السؤال الأهم
إذا كان للكيان الصهيوني مشروعه ولإيران مشروعها وللقوى الدولية حساباتها ومصالحها فأين المشروع العربي
أين الإرادة العربية التي تحمي هذه الأرض وتمنع تحويلها إلى ساحة تصفية حسابات بين الآخرين
إن الدرس الأكبر الذي تكشفه هذه الحرب يتمثل في أن الأمن العربي يحتاج إلى مشروع عربي واضح يقوم على بناء منظومة سياسية واقتصادية وعسكرية مشتركة قادرة على حماية المنطقة من كل مشاريع الهيمنة
مشروع عربي يقوم على التكامل الاقتصادي وعلى بناء قوة دفاعية مشتركة وعلى تنسيق سياسي يعيد للعالم العربي ثقله الاستراتيجي
فالعرب يملكون الجغرافيا الأهم في العالم ويملكون ثروات طبيعية هائلة ويملكون طاقات بشرية كبيرة لكنهم يفتقرون إلى مشروع جامع يحول هذه الإمكانات إلى قوة مؤثرة
أما رسالتي إلى أبناء شعبي الأردني فهي واضحة
الأردن دولة تحمي سيادتها وأرضها وسماءها ولا يمكن لأي دولة أن تقبل بأن تتحول أجواؤها إلى ممر للصواريخ والطائرات دون أن تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها
والأردن ظل عبر تاريخه منحازا لقضايا أمته العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية
الاختلاف في الرأي داخل المجتمعات أمر طبيعي لكن تحويل الخلاف إلى تخوين وتشكيك في الوطن ومؤسساته يقود إلى الفوضى
فعندما تدلهم الخطوب وتحتدم الصراعات الكبرى تصبح الحكمة واجبة ويصبح الوعي الوطني واجبا أكبر
والأمة التي تدرك طبيعة الصراع الدائر حولها تستطيع أن تحمي نفسها أما الأمة التي تنشغل بصراعاتها الداخلية فإنها تمنح الآخرين فرصة التحكم بمصيرها
لقد حان الوقت لأن يدرك العرب جميعا أن المستقبل يبنى بإرادتهم هم
مشروع عربي يحمي الأرض والإنسان والهوية
فالأوطان التي لا تملك مشروعها تصبح جزءا من مشاريع الآخرين
ومن ثم تتلاشى