بقلم ابراهيم السيوف
تقف الدولة الأردنية اليوم في ذروة نضجها السياسي ككيان دستوري استثنائي نجح في تفكيك شيفرة البقاء وسط إقليم تحكمه الفوضى وتتقاسمه صراعات المحاور. إن محاولات وضع العروبة الأردنية في سياق الاتهام ليست سوى قراءة عدمية تفشل في إدراك أن الأردن يمارس “السيادة الواعية” المنطلقة من دستور 1952 الذي كرس مبدأ الدولة الوطنية المستقلة بقرارها والملتزمة قومياً بوجدانها. إن الحديث عن فك الارتباط وما تبعه من تحولات اجتماعية وسياسية يجب أن يُقرأ في سياق “الضرورة الوجودية” لحماية بنية المجتمع من الانزلاق نحو التفتت ومنع تحويل الساحة الوطنية إلى ميدان لتصفيات سياسية وأمنية غريبة عن مصالحنا العليا.
إن ما يرميه البعض من تهم “التسحيج” في وجه المواطن المدافع عن وطنه هو في الحقيقة محاولة بائسة لاغتيال الوعي الدستوري الجمعي الذي يرى في تماسك مؤسسات الدولة صمام الأمان الأوحد. فالولاء في الفكر السياسي الأردني ليس تبعية عاطفية بل هو ممارسة لسيادة الدولة وحماية لمكتسباتها ضد المزاودات التي تحاول جر البلاد إلى أتون حروب بالوكالة أو استنزاف مقدراتها في صراعات لا تخدم إلا أصحاب الأجندات العابرة للحدود. إن الأردن الذي يوصف بـ “سويسرا الشرق” لا يستمد هذا الوصف من ترف الحريات فحسب بل من قدرة نظامه السياسي على الحفاظ على التوازن الدقيق بين الأمن القومي والتعددية السياسية في وقت انهارت فيه أنظمة كبرى لم تجد في ديمقراطياتها الهشة ما يحميها من السقوط.
دبلوماسياً يمارس الأردن دور “القطب المتزن” الذي يرفض أن يكون ممرًا أو مسرحاً لأي اصطفافات إقليمية تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة أو النيل من سيادة أراضيه وسماه. إن هذه السيادة هي خط أحمر دستوري وقانوني يحرسه وعي شعبي يرفض العنصرية والفرقة ويلتف حول قيادته الهاشمية كخيار استراتيجي ووجودي. إن قوة الأردن تكمن في أن وطنيته هي الدرع الحقيقي لعروبته فلا عروبة قوية دون دولة قوية ومستقرة وذات سيادة قادرة على قول “لا” حين تقتضي المصلحة الوطنية العليا ذلك. سيبقى الأردن الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط مستنداً إلى شرعية تاريخية وقانونية تجعل من كرامة الوطن وهيبة مؤسساته غاية فوق كل اعتبار ومزاودة.
السيوف يكتب:الأردن وحتمية السيادة: فلسفة الصمود الدستوري في وجه عبثية الإقليم






