حسين الرواشدة
بكبسة “وشاية” على تطبيق “صلاة”، وقع المرشد الأعلى في المصيدة، نحو 100 قنبلة دكت محل الإقامة ، كانت كفيلة بأن يتحول إلى “جثة “، لم يتعلم فيلق “ولي الأمر” الدرس من حرب ال 12 يوماً ، فتجرع ، ومعه حرس الثورة وقادتها ، كأس الخديعة مرة أخرى، لم يسقط النظام حتى الآن ،لكنه فقد هيبته وتوازنه، وربما شرعيته التي حافظ عليها 47 عاماً، إيران اليوم انكشفت تماماً، نظرية “أم القرى” سقطت مع أن صاحبها (محمد جواد لاريجاني) ما زال حياً، قبلها سقطت نظرية ( تصدير الثورة) بعد أن شرب الخميني كأس “السم” اثر حربه مع العراق.
آخر مرة زرت فيها طهران (2012) أخذنا المرافق إلى برج ميلاد( ارتفاعه 430 متراً )، همس في أذني: أنت الآن تقف أمام طهران وآيات الله، الأفق أمامك مكشوف تماماً، تذكّر : كلمة إيران” العليا” ستقرر مصير المنطقة ، كان يتحدث باستعلاءٍ واضح ، 14 عاماً كانت كفيلة بقلب الصورة ،،منذ 7 أكتوبر 2023 تل أبيب هي من تجلس فوق برج ميلاد ، وهي من قطعت أذرع طهران في الدول التي حولتها إلى وكالات تحارب بالنيابة عنها ، وهي من تُلوّح ، الآن، بإشارة النصر ، وتستعد لتتويج نتنياهو “أسداً ” يملأ زئيره أرجاء المكان.
كيف حدث ذلك ، كيف تلعثمت طهران في حرب الدفاع عن وجودها، كيف انكشفت الإمبراطورية التي لم تخضع يوماً للاستعمار لتبدو دولة هشّة، كيف تحول قادتها وآياتها العظمى إلى فرائس سهلة الاصطياد ، كيف فقدت شطارة التاجر المفاوض، وحنكة حائك “السجّاد “؟ الإجابات وفق التحليل السياسي تبدو طويلة ومعقدة ،ليس هذا مكانها ولا زمانها، لكن كلمة السر وراء هذا الانهيار والاختراق وصدمة الهشاشة عنوانها ( سطوة قُمّ ) وجبروتها الذي قهر المجتمع الإيراني وحوّله ، باسم الدين الذي اختلط بالبازار ، وأحلام الإمبراطورية ، وسطوة الباسيج والحرس الثوري ، إلى بلد معزول ، ومجتمع صراع وكراهية ، سقط الجدار الحقيقي الذي حكمت به الثورة ثم استندت إليه الدولة ، أقصد جدار الداخل الذي تم اختراق حرّاسه، أو جرى العبث في مكوناته ونواميسه، فأصبح ساحة للصراعات، بحثاً عن الخلاص او تقاسم النفوذ .
الآن ، ليس أمام طهران إلا لملمة جراحاتها والانكفاء للداخل ، ليس أمام الإيرانيين سوى البحث عن نظام بديل او معدل لولاية الفقيه ، ربما تحتاج إلى وقت طويل لكي تتعافي ، لكنها تظل جزءاً من هذه المنطقة ، ربما تندمج فيها إذا ما تحررت من أوهام التوسع وايذاء الجيران ، المهم أن ندقق، نحن العرب ، في الرسائل التي وصلتنا مما حدث في طهران؛ أقصد رسائل الحرب وما بعدها: علاقة الدولة بالمجتمع ، العلاقات الدولية والإقليمية والتحالفات ، الرهان على الأذرع والحلفاء، والأهم بناء الداخل باستدعاء قوة التوافقات ، واحترام التعدديات ، والخروج من سجن المليشيات والأيديولوجيات.
صحيح، أخطأت إيران حين تمددت في الفراغ العربي الرخوّ، وحين انتصرت لأنفاسها الإمبرطورية على حساب دماء جيرانها العرب، أخطأت، أيضا، حين استخدمت العرب لمواجهة تل أبيب ثم تخلت عنهم في اللحظة الأخيرة، أخطأت، ثالثاً، حين اعتمدت على صبرها الإستراتيجي، وسياسة الحيلة، وحسابات التقية، في تقدير الموقف مع واشنطن وتل أبيب، ربما لم تصدق أن رأسها هو المطلوب، وأن ترتيب خرائط المنطقة سيبدأ منه.
لكن ، نخطئ نحن العرب إذا اعتبرنا هزيمة طهران ستصب في مصلحة أي طرف عربي، نخطئ، أيضا، إذا لم نملأ فراغ طهران بمشروع عربي لا يخضع لهيمنة اسرائيل وهيلمانها، نخطئ، ثالثا، إذا لم نبدأ باستدارات داخلية في بلداننا، تستند إلى الاستفادة من دروس ما حصل، لتحصين جبهاتنا الداخلية، وتعظيم مشتركاتنا الوطنية، وإعادتنا للاعتماد على ذاتنا، لكي نصبح جزءاً قوياً من «الكل» ، أو من المشروع العربي المنتظر والمأمول.






