– توسيع قاعدة الشمول لمعالجة اختلال النظام التأميني وتحقيق عدالة الشمول.
– ارتفاع نفقات الضمان لأكثر من ( 88% ) من ايراداته التأمينية.
– خطورة الانتقال من 6.6 مشترك مقابل كل متقاعد إلى 4.3 مشترك مقابل كل متقاعد حالياً.
– ضغط التقاعد المبكر يهدّد منظومة الحماية الاجتماعية برمّتها.
– حوكمة مجلس إدارة “الضمان” وحقنه بالخبراء فالكفاءة أهم من التمثيل.
– يجب أن يرافق تعديل القانون وضع خارطة طريق شاملة لمستقبل الضمان.
وطنا اليوم:أكّد خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي بأن مؤشّرات الدراسة الإكتوارية الأخيرة تُلزِم مؤسسة الضمان الاجتماعي والحكومة بموجب المادة ( 18 / ج ) من قانون الضمان بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحؤول دون تعادل النفقات مع الإيرادات التأمينية من خلال تصويب السياسات والتشريعات بما يضمن الحفاظ على ديمومة النظام التأميني للمؤسسة وتعزيز مركزها المالي. ما يعني أنه لا مناص من تعديل قانون الضمان واتخاذ حزمة إجراءات داعمة للاستدامة المالية للمؤسسة.
وأضاف في ندوة عقدها حزب العمال وأدارتها د. رولى الحروب الأمين العام للحزب، بأن الوضع المالي لمؤسسة الضمان مريح بحذر شديد، وأن ضمان استدامة أوضاعها المالية مستقبلاً، مرهون بما سيتم اتخاذه من إصلاحات جوهرية على قانون الضمان وسياساته لتعزيز الوضع المالي للنظام التأميني وفي ذات الوقت تحديث القانون بما يسمح بتوسيع نطاق شموله وتعزيز الحماية والعدالة الاجتماعية لكافة أفراد الطبقة العاملة.
وكشف بأن النمو الكبير في أعداد المتقاعدين خلال السنوات العشر الأخيرة مقابل نمو محدود وضعيف في أعداد المؤمّن عليهم المشتركين أدّى إلى اختلال واضح في توازن النظام التأميني للضمان، وتؤكّد ذلك مقارنة بسيطة بين أعداد المؤمّن عليهم الفعالين وأعداد المتقاعدين ما بين العام 2015 والعام 2025. وبحسب بيانات وتقارير مؤسسة الضمان، فإن عدد المؤمّن عليهم الفعّالين بلغ مع نهاية العام 2015 حوالي ( 1.2 ) مليون مؤمّن عليه، في حين بلغ العدد التراكمي لمتقاعدي الضمان مع نهاية ذلك العام ( 180 ) ألف متقاعد، ما جعل عدد المشتركين إلى المتقاعدين ( ما يسمّى بالإعالة التأمينية) حوالي 6.6 مشترك مقابل كل متقاعد، وهي إعالة مقبولة وآمِنة.
لكن هذا الوضع تغير بصورة كبيرة خلال السنوات العشر التي تلت العام 2015 تدريجياً، إذ أصبح عدد المؤمّن عليهم النشطين مع نهاية العام 2025 حوالي ( 1.66 ) مليون مشترك، مقابل ( 392 ) ألف متقاعد تراكمياً، ليصبح معدّل الإعالة التأمينية 4.3 مشترك مقابل كل متقاعد، وهو معدل غير مقبول إكتوارياً، وأدّى إلى اختلال النظام التأميني، ما يحتاج إلى معالجة عاجلة، فالأرقام المذكورة تؤشّر إلى نمو أعداد المتقاعدين بحوالي ثلاثة أضعاف النمو في أعداد المشتركين ما بين العامين 2015 – 2025، حيث بلغت نسبة النمو في أعداد المتقاعدين حوالي ( 117%)، فيما بلغت نسبة النمو في أعداد المشتركين حوالي ( 38% ) فقط.
وأضاف بأنه ما لم تبدأ عملية الإصلاح فوراً، فإن المؤسسة الفوائض المالية التأمينية السنوية التي بدأت بالتناقص التدريجي خلال السنوات الخمس الفائتة ستتلاشى تماماً مع نهاية العام 2029 تحت ضغط فاتورة تقاعد متدحرجة ككرة الثلج. حيث أدّى الضغط المتزايد للنفقات التقاعدية، ولا سيما الإحالات المُفرٍطة على التقاعد المبكر التي شهدها القطاع العام وبعض القطاعات الأخرى خلال السنوات الست الأخيرة، إضافة إلى إنفاقات الضمان خلال جائحة كورونا والتي تجاوزت أل ( 800 ) مليون دينار ( بعضها لم يكن مستردّاً)، إلى تناقص ملحوظ في الفائض التأميني السنوي.
وقدّم الصبيحي مقارنة سريعة بين إيرادات المؤسسة ونفقات التأمينية ما بين نقطتين زمنيتين؛ الأولى للعام 2015 والثانية للعام 2025، مشيراً أن الإيرادات التأمينية للعام 2015 بلغت ( 1.27 ) مليار دينار فيما بلغت النفقات التأمينية والعامة لنفس العام ( 811 ) مليون دينار، وبلغ الفائض التأميني المتحققة( 461 ) مليون دينار، حيث شكّلت النفقات حوالي ( 64% ) فقط من الإيرادات التأمينية في ذلك العام.
وبمقارنة ذلك بالعام 2025، فمن المقدّر أن تبلغ الإيرادات التأمينية للمؤسسة إلى حوالي ( 2.5 ) مليار دينار، فيما يُقدّر أن تبلغ النفقات التأمينية والعامة لذات العام حوالي ( 2.22 ) مليار دينار، وأن لا يزيد الفائض التأميني على ( 230 ) مليون دينار، حيث ستشكّل النفقات حوالي ( 88% ) من الإيرادات التأمينية للعام المذكور، وهي نسبة مرتفعة جداً وتؤشّر إلى اختلال واضح في النظام التأميني.
وقال الصبيحي بأن هناك جملة من التحديات تواجه الضمان اليوم وأهمها:
١) الشمولية وسدّ فجوة التغطية.
٢) التمويل المستدام.
٣) البطالة وضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل وقد وصل معدّل البطالة إلى (22%) وفقاُ للبيانات الرسمية، الامر الذي ينعكس على خفض إيرادات مؤسسة الضمان التأمينية بالمقارنة مع تنامي نفقاتها التقاعدية.
٤) ظاهرة التهرب التأميني التي تُقدّر بحوال ( 23% ) من إجمالي المشتغلين في القطاع المنظم.
٥) تشوّهات سوق العمل وعدم القدرة على تنظيم العمالة الوافدة ما أضعف نسبة المشتركين منها بالضمان بصورة كبيرة. إذ يوجد في المملكة حوالي ( 1.5 ) مليون عامل غير أردني فيما لا يزيد عدد المشمولين منهم بالضمان الاجتماعي على (17%).
٦) الإحالات المفرِطة إلى التقاعد المبكر ما أدى إلى إحداث خلل في النظام التأميني وتصاعد كبير في فاتورة التقاعد، علماً بأن عدد الموظفين المحالين إلى التقاعد المبكر من القطاع العام خلال السنوات من ( 2020 – 2025 ) وصل إلى حوالي ( 52 ) ألف موظف ومستخدم معظمهم أُنهيت خدماتهم وأحيلوا دون رغبتهم.
٧) ضعف العائد على استثمار أموال الضمان الذي يتراوح ما بين 5.5% إلى 6.4% وهو أقل من المستهدف إكتوارياً الذي يفترض أن يتراوح ما بين 9% إلى 12%.
٨) تضخم أعداد العاملين في قطاع العمل غير المنظّم الذين تقدّر نسبتهم ما بين 35% إلى 40% من إجمالي المشتغلين في المملكة. وهؤلاء جميعاً ما زالوا خارج مظلة الحماية الاجتماعية لمنظومة تأمينات الضمان.
٩) ضعف معدّلات الأجور في سوق العمل بقطاعيه العام والخاص، حيث تصل نسبة المؤمّن عليهم النشطين المشتركين على أجور تقل عن ( 300 ) دينار إلى حوالي ( 20%) من العدد الإجمالي للمؤمّن عليهم الفعالين.
١٠) التأمين الصحي الاجتماعي. وضرورة العمل على تطبيقه خلال الفترة القادمة، في إطار سيناريو مدروس بعناية وبالشراكة مع الحكومة ودعمها.
١١) ضعف حوكمة مؤسسة الضمان ومجالسها المختلفة (مجلس الإدارة، ومجلس الاستثمار، ومجلس التأمينات) وعدم وضوح المسؤوليات والصلاحيات وربما تداخلها، وكذلك انعكاسات إدماجها في مشروع هيكلة القطاع العام الذي نفّذته الحكومة منذ العام 2012 وأفقدَ المؤسسة جزءاً كبيراً من استقلاليتها.
١٢) تحدي ضمان الكفاية الاجتماعية وليس الكفاف: الأمر الذي يطرح تحدي كبير يتعلق بتحسين الرواتب المتدنية لمتقاعدي الضمان، إذ لا يجوز أن ينتج عن النظام التأميني للضمان إثراء البعض، فيما يعيش البعض الآخر في حالة الكفاف. وهناك فئتان من متقاعدي الضمان حالياً؛ الفئة الأولى تشكّل حوالي (9.4%) من العدد التراكمي لمتقاعدي الضمان يتقاضون رواتب تزيد على (1000) دينار شهرياً وعددهم يصل إلى حوالي (36) ألف متقاعد. والفئة الثانية لحوالي (9%) من متقاعدي الضمان وعددهم يصل إلى حوالي (32) ألف متقاعد يتقاضون رواتب تقل عن (200) دينار شهرياً لتلامس خط الفقر المدقع. مما يضع مؤسسة الضمان أمام تحدي تحسين الرواتب التقاعدية المتدنية من أجل الارتقاء بأصحابها وعائلاتهم إلى مستوى العيش في حدود الكفاية الاجتماعية وليس عيش الكفاف.
وأكّد الصبيحي بأن أي تعديل على قانون الضمان يجب أن يوائم بين الحماية والاستدامة، فاستدامة النظام التأميني لمؤسسة الضمان من جهة، بما يعنيه من قدرة النظام على الصمود، والحماية الاجتماعية من جهة أخرى، بما تعنيه من حماية الفئات الضعيفة وتوزيع المكتسبات بعدالة وإنصاف في إطار مفهوم الكفاية الاجتماعية يعد من أكبر ما يواجهنا اليوم من تحديات. داعياً إلى العمل عبر عدة محاور مهمة لمعالجة الاختلالات والتحديات المذكورة، مشيراً إلى أن في مقدمة الحلول والأولويات المطلوب السير فيها دون انتظار أو تلكّؤ ما يلي:
أولاً: توسيع قاعدة الشمول بالضمان، مما يحقق عدالة التغطية للطبقة العاملة، وفي نفس الوقت ندعم استدامة النظام التأميني وهي استدامة تعتمد بشكل رئيس على مدى اتساع قاعدة المشتركين للحفاظ على تدفق السيولة.
ثانياً: البدء بشمول العمالة غير المنظمة: بما يتضمن دمج عمال المياومة وكافة العاملين لحسابهم الخاص، والعاملين على المنصات الرقمية، وكافة أنماط أشكال العمل الحديثة، مما يحقق عدالة الحماية الاجتماعية للطبقة العاملة، وفي نفس الوقت يعزّز الإيرادات التأمينية لمؤسسة الضمان ويصب في استدامة نظامها التأميني.
ثالثاً: القضاء على التهرب التأميني: من خلال ضمان تسجيل كافة العاملين بأحكام القانون، وعلى أساس كامل فترات عملهم ورواتبهم الحقيقية. كون التهرب أحد أهم الأسباب المؤدية إلى إضعاف المركز المالي للضمان ويفت في عضد الحماية والعدالة الاجتماعية كونه يحرم العامل من حقوقه حاضراً ومستقبلاً. وهذا يتطلب تفعيل الرقابة التأمينية ووضع خطة للتفتيش القطاعي والربط الإلكتروني مع مختلف الجهات ذات العلاقة.
رابعاً: إصلاحات هيكلية متوازنة لتعزيز الاستدامة والإنصاف، وبما يضمن استمرار النظام التأميني للأجيال القادمة دون المساس بحقوق الفئات الأقل دخلاً، ومن ذلك:
١) إعادة تنظيم قواعد وشروط التقاعد المبكر مع مراعاة العاملين في المهن الخطرة.
٢) إيجاد آليات تشريعية وسياساتية تعمل على تعزيز عدالة الرواتب التقاعدية وتقليص الفجوة، ووضع أسقف للرواتب الفلكية: إذ لا يعقل أن يتقاعد البعض برواتب خيالية تستنزف الصندوق، بينما تتقاضى الأغلبية رواتب دون المتوسطة أو الضعيفة. بما يشمل تحقيق توازن مالي واجتماعي من خلال ربط رواتب التقاعد بالتضخم بطريقة يستفيد منها أصحاب الرواتب المتدنية أكثر من غيرهم، لضمان تعزيز القوة الشرائية لذوي الرواتب المتوسطة والمتدنية، وحمايتهم من غلاء المعيشة.
خامساً: رفع كفاءة استثمار أموال الضمان: فالاستدامة تعتمد بشكل كبير أيضاً على أداء صندوق استثمار أموال الضمان،
وحوكمته، وكفاءة التوزيع الاستراتيجي لمحافظه الاستثمارية. واستقلالية القرار الاستثماري بعيداً عن أي ضغوطات، وفي إطار فاعل من المساءلة والشفافية ومنع تضارب المصالح. واعتقد أنه لا بد من رفع معدل العائد على الاستثمار ليتراوح ما بين 9% إلى 12% على الأقل وفقاً للمتطلبات الإكتوارية.
سادساً: حوكمة التنظيم القانوني والإداري لمؤسسة الضمان، باستحداث منصب قيادي موحّد على رأس المؤسسة، وحوكمة مجلس إدارتها بالخروج عن النموذج التقليدي في تشكيلة المجلس إلى النموذج الحديث بضم أعضاء من ذوي الخبرات الفنية في المجالات الإكتوارية والتأمينية والاستثمارية.
سابعاً: لا بد من وضع خارطة طريق شاملة واضحة المعالم لمستقبل الضمان، تكون أساساً لبدء مرحلة جديدة غير تقليدية في مسيرة الضمان قائمة على المساءلة والمراجعة والمحاسبة وتحقيق الأهداف.
واختتم الصبيحي حديثه بالإعراب عن أمله بأن لا تؤدي تعديلات القانون المرتقبة والإصلاحات التي سيتم اتخاذها إلى خفض مستويات الحماية الاجتماعية أو التأثير سلباً على حقوق المؤمّن عليهم ولا سيما الفئات الضعيفة، وأن تعزز الثقة بالنظام التأميني وتتسم بالعدالة والموضوعية والشمولية.
وأعقب الحديث حوار ومداخلات كثيرة من الحضور ركّزت على أهمية الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان، وضرورة العمل على تعزيز حوكمة المؤسسة، ورفع العائد على استثمار أموالها، وإعادة النظر بتشكيلة مجلس إدارتها، وأن لا تمسّ التعديلات القادمة حقوق ومصالح الفئات الضعيفة والمتوسطة، وأن تكثف المؤسسة من جهودها وخططها لمواجهة التهرّب التأميني.
كما تم تقديم مقترحات تتعلق بتوسيع قاعدة الفئة المستثناة من التعديلات بحيث لا تمس منْ أكملوا عشر أو خمس عشرة سنة من الاشتراك. وتم أيضاً التأكيد على مخاطر ومحاذير رفع سن تقاعد الشيخوخة قبل اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لضمان الاستقرار في سوق العمل، وإعادة هيكلة صندوق التعطل عن العمل لتمكينه من حماية العمال وتوفير أمن الدخل لهم في حال فقدهم لأعمالهم، وعدم استيفائهم لشروط التقاعد.







