بين التحليل والتنجيم: حين يتحول الحديث عن الحروب من قراءة للواقع إلى تحديد مواقيت للفاجعة

14 دقيقة ago
بين التحليل والتنجيم: حين يتحول الحديث عن الحروب من قراءة للواقع إلى تحديد مواقيت للفاجعة

بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

المشكلة اليوم ليست في احتمال الحرب بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُبسَّط بها ويُسوَّق وكأنها حدث تلفزيوني له موعد ثابت، إذ نسمع من يقول إن الضربة ستكون فجرًا أو قبل الضحى، وآخر يقول بعد العصر، وثالث في منتصف الليل تشعل السماء قناديلها على إيران والمنطقة برمتها، ورابع في ساعات الضحى قبل الظهيرة، ومابين الفجر ومنتصف الليل مع الغسق تمضي الأوقات ولا يحدث شيء، ثم تعود الدورة نفسها من التوقعات الجازمة، وكأننا أمام نشرة فلكية لا تحليلًا سياسيًا، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما يُقدَّم للناس قراءة استراتيجية حقيقية أم مجرد شكل حديث من التنجيم الإعلامي؟
نحترم كل المحللين ونقدر مواقفهم ولكن لا يستعين بعضهم بتحليلات
و اخبار اجنبيه إعلامها كاذب

التحليل السياسي الرصين لا يقوم على الإثارة، بل على معلومات – ولو جزئية – من مصادر متعددة، وعلى فهم مصالح الدول لا الاكتفاء بخطابها العلني، وعلى تقييم الكلفة مقابل المكسب، وقراءة السياق الدولي من حيث الاقتصاد والتحالفات ومواقف القوى الكبرى، إضافة إلى دراسة سلوك الدول في أزمات سابقة. لذلك فإن المحلل المهني يتحدث بلغة الاحتمالات والسيناريوهات، فيشير إلى العوامل التي تدفع نحو التصعيد وأخرى تمنعه، بينما لغة الجزم بتوقيت الحرب، وربطها بساعات اليوم، تُفقد التحليل قيمته وتحوله إلى توقعات انفعالية لا أكثر.

ما يزيد المشهد تعقيدًا أن بعض المحللين يضخمون قوة طرف واحد بشكل يخرجه عن قوانين السياسة والواقع، فيُصوَّر أن ترامب قادر على الفعل دون قيود وأن الولايات المتحدة تُدار ككيان واحد تحت إرادته فقط، وأن إسرائيل تستطيع محو دول من الوجود بلا كلفة ولا رد، في حين أن أي قوة، مهما عظمت، تظل مقيدة بالمصالح لا بالرغبات، وتعمل ضمن شبكة معقدة من الاقتصاد العالمي والتحالفات والقواعد العسكرية والأسواق وممرات الطاقة. والحروب لا تُقاس بمن يضرب أولًا، بل بمن يتحمل التداعيات لاحقًا، ومن يستطيع إدارة ما بعد الضربة، لا لحظة الضربة فقط.

وعندما يُعرض الصراع على أنه حرب واسعة وكأنه مجرد قرار عسكري، يتجاهل ذلك عنصرًا حاسمًا هو الاقتصاد العالمي، فالجغرافيا الإقليمية ليست ساحة معزولة، بل عقدة طرق للطاقة والتجارة والملاحة. وأي مواجهة كبيرة تعني تهديد الممرات البحرية، وسفنًا تجارية من مختلف دول العالم في دائرة الخطر، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتباك الأسواق الدولية. فهل يمكن لقوة كبرى أن تشعل صراعًا واسعًا دون أن تأخذ بعين الاعتبار تجارتها وقواعدها ومصالحها وحلفاءها واستقرارها الداخلي؟ الدول الكبرى تفكر دائمًا بعقلية الخسائر المتراكمة بعد المعركة، لا بعقلية “المعركة المجردة”.

كما أن تصوير الحرب على أنها عملية سريعة وحاسمة يتجاهل طبيعتها الحقيقية كحالة استنزاف طويلة. الحرب ليست عرض قوة فقط، بل اختبار صبر وقدرة على التحمل، ولدينا مثال حي في غزة، حيث الفارق الهائل في الإمكانات لم يؤدِّ إلى الحسم السهل الذي تخيله كثير من المحللين في الأيام الأولى. هذا يثبت أن الواقع الميداني أعقد بكثير من خرائط الاستوديوهات، فكيف إذا كان الحديث عن مواجهة أوسع إقليميًا تتداخل فيها أطراف متعددة وحسابات متشابكة؟

وفي أي حرب كبرى لن تكون الخسارة لطرف واحد، فقد تخسر إيران، وقد تخسر إسرائيل، لكن المؤكد أن المنطقة كلها ستدفع الثمن، والاقتصاد العالمي سيتأثر، وحتى القوى الكبرى نفسها لن تكون بمنأى عن التداعيات. ولهذا، فإن القرار العسكري ليس مجرد ضغطة زر ولا استعراضًا للقوة، بل قرارًا تاريخيًا ثقيلًا تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والأمن ومستقبل الشعوب.

إن انتشار هذا النوع من “التحليل” يعود إلى اقتصاد الإثارة الإعلامية، ورغبة بعض المتحدثين في الظهور بمظهر من يملك مصادر خاصة، وإلى خلط الرغبات بالقراءة الواقعية، وأحيانًا إلى نقل أجواء حرب نفسية دون وعي، فيتحول المحلل من قارئ للمشهد إلى جزء من الضجيج نفسه. بينما التحليل المسؤول يسأل دائمًا: من يربح؟ من يخسر؟ ما الكلفة؟ ما البدائل؟ وما السقف الحقيقي للصراع؟ لأن بين التحليل والتنجيم خيطًا رفيعًا اسمه المنهج، ومن لا يملك المنهج لا يملك إلا التوقعات