د.عبدالله محمد القضاه
ذات يوم حدثني صديق يعمل موظفا في احدى المؤسسات عن نيته ارتكاب جريمة بحق رئيسه المباشر وبعض اعوانه من المدراء ، اعتقدت للوهلة الأولى أنه ‘ يشبح ‘ أمامي ويستعرض ‘مراجله ‘ ، لكنني اقتربت منه كثيرا بإصغاء مركز ؛ وكونه يحبني كثيرا ؛ فقد أسر لي بنيته الأكيدة بالانتقام من رئيسه المباشر، انتقامًا كان يمكن أن يقوده إلى كارثة إنسانية وقانونية.
كان لزاما علي نصرته ؛ وذلك بثنيه عن هذا الفعل ؛ ولكن بالمقابل ؛ كان علي أيضا تحليل الدوافع الرئيسة وراء تصميمه على هذا الأمر ، وخاصة أنه من أكفا وأذكى موظفي مؤسسته ، لابل ؛ موظفي الدولة!!!.
وبتحليل الأسباب ؛ يقول صديقي : ‘ الا يقتل القاتل ؟’ ، قلت : بلى ، فقال: إذن سأقتل من قتلني معنويا ، فقلت وكيف يكون ذلك ؟! ، فقال : عندما يتم تجاهلي وتجميدي وعزلي معنويا واضطهادي مع سبق الاصرار والترصد بهدف النيل من شخصي والتقليل من شأني ، وهز ثقتي بنفسي وثقة الآخرين بي ، وتقديم عديمي الكفاءة” علي ، الا يكفي هذا الأضطهاد المنظم لثورة اقودها للثأر لنفسي ؟! ، فقلت أجل ، ولكن لنفكر بأسلوب آخر ، فلعل من قائد حكيم يعلو رئيسك فيثأر نيابة عنك ، فاقتنع برأيي وتم ما أردناه !!!.
في عام 2010 ، انتحر ”كيفين موريسي“، محرر مجلة ”فيرجينيا“ الأدبية وذهب ضحية تعذيب نفسي دام ثلاث سنوات على يد مديره ”تيد جينوايز“. كانت إدارة الجامعة على علم بشكوى ”موريسي“، لكنهم فشلوا في وقف مضايقات ”جينوايز“.بعد انتحار ” موريسي “، وصفت أخته ما حدث ” بالبلطجة “، الأمر الذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الأكاديمية.
الاضطهاد الوظيفي هو مجموعة من الممارسات الإدارية المتعمدة أو الممنهجة، التي تهدف إلى تهميش الموظف أو النيل من كرامته أو تعطيل مساره المهني، من خلال التجاهل، أو العزل، أو التهديد الوظيفي، أو إساءة استخدام الصلاحيات، خارج إطار القانون والعدالة.
ومن أصناف الإضطهاد الوظيفي في الإدارة العامة، الإضطهاد الإداري (تجميد، نقل تعسفي، حرمان من مهام)، والإضطهاد النفسي (تشويه سمعة، إقصاء، تقليل شأن)، والإضطهاد القانوني (استخدام العقود، التقارير، اللجان كأدوات عقاب) وكذلك؛ الإضطهاد المؤسسي (صمت الإدارة العليا، تواطؤ غير مباشر).
الاضطهاد الوظيفي ، والذي أصبح ينتشر في مؤسساتنا، للعديد من الاسباب البنوية، مثل : ضعف الحماية للموظف بعقد ، وغياب المساءلة الإدارية الفعلية، وسيادة ثقافة “الولاء بدل الكفاءة” والخلط بين القيادة والهيمنة. ولا تقتصر آثار الاضطهاد الوظيفي على الأفراد فحسب، بل تمتد لتصيب كفاءة المؤسسة، وتضعف الإنتاجية، وتغذي ثقافة الصمت والخوف، وتفتح الباب أمام الفساد الإداري وهجرة الكفاءات، وهو ما يشكل كلفة خفية لكنها باهظة على الدولة والمجتمع.
لقد ظهر الإضطهاد بشكل جلي بعد تطبيق نظام الموارد البشرية الجديد، الذي إعتمد على التعيين بموجب عقود سنوية، وللأسف كثيراً ما يقع ضحيته ، موظفون أكفاء ومخلصون إذ إن معارضتهم لبعض القرارات ، أو رفضهم لبعض الأوضاع غير السليمة ، واجتهادهم وحرصهم على أداء مهامهم بكل أمانة ، وعدم اتقانهم لفن التدليس والمجاملة ، كل هذه الأسباب وغيرها كثيرة تؤدي ببعض القيادات المسيئة لاستخدام السلطة، إلى وضعهم في قائمة المغضوب عليهم ، وترويعهم بممارسة صنوف التعذيب النفسي عليهم ، مستخدمين طرقاً ووسائل مادية ومعنوية مختلفة ، لعل أهمها التهديد بعدم تجديد عقودهم ،هذا الإضطهاد سيؤدي حتما لعواقب وخيمة .
ولا بد من التأكيد أن الإدارة العامة الأردنية تزخر بقيادات وطنية نزيهة وكفؤة، إلا أن غياب المساءلة يتيح للبعض الإساءة إلى هذه المنظومة، ويُسيء قبل غيره إلى سمعة القيادات المخلصة.
وحتى لا تتفاقم الأمور؛ وإنسجاما مع التوجيهات الملكية المستمرة ببناء إدارة عامة تقوم على الكفاءة، والعدالة، وسيادة القانون، أقترح إتخاذ إجراءات وقائية لحماية الكفاءات الوظيفية في مؤسسات القطاع العام من الاضطهاد الوظيفي المنظم الذي يمارس عليهم ، وتحت شعار سيادة القانون وحقوق الانسان التي يختبئ خلفها بعض كبارالمسؤولين ، ومن هذه المقترحات ماهي تشريعية مثل: إدراج نص صريح في نظام الموارد البشرية يجرّم الاضطهاد الوظيفي، وإعتبار الاضطهاد الوظيفي مخالفة إدارية جسيمة، و حماية المبلغين والشهود داخل المؤسسات. وهناك مقترحات مؤسسية لعل أهمها: إنشاء وحدة مظالم مؤسسية مستقلة في كل وزارة، خاصة بعد إلغاء ديوان المظالم، وربط تقييم القيادات بنسبة الشكاوى المثبتة، إضافة إلى تفعيل دور القضاء الإداري بسرعة وفعالية وبأقل كلفة ممكنة، وبما لا يتعارض مع أحكام الدستور الأردني، ومبادئ العدالة الإدارية، وحق التقاضي المكفول قانونًا.
وكون خارطة تحديث القطاع العام تضمنت مكونا عن الثقافة المؤسسية ، فيمكن تدريب الإشرافيين على القيادة الأخلاقية، والذكاء العاطفي ، وإدارة الخلاف دون إنتقام، وكذلك إدراج مؤشرات “بيئة العمل العادلة” ضمن تقييم الأداء المؤسسي.
إن حماية الموظف الكفء من الاضطهاد ليست ترفًا إداريًا، بل شرطٌ لبقاء الدولة قوية، ومؤسساتها موثوقة، وقيادتها محترمة، فالدولة التي تخيف أكفاءها، إنما تفرّط بمستقبلها.
*أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الادارة العامة سابقا






