الأردن يعود من جديد ليقف في قلب محيطٍ إقليمي ملتهب

دقيقتان ago
الأردن يعود من جديد ليقف في قلب محيطٍ إقليمي ملتهب

بقلم المحامي حسين احمد الضمور
يعود الأردن اليوم ليقف مجدداً في قلب محيطٍ إقليمي ملتهب تتداخل فيه النار بالسياسة، والمصالح بالقيم، والخوف بالطموح، وكأن الجغرافيا كتبت عليه أن يكون دائمًا خط التماس بين الاستقرار والعاصفة. غير أن هذا الموقع، رغم قسوته، صاغ شخصية الدولة الأردنية التي لا ترتجف أمام المخاطر بل تقرأها بهدوء، وتستعد لها بوعي، وتتعامل معها بعقل الدولة لا بردّة فعل الشارع.
المؤشرات تقول إن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، فالتوترات الإقليمية لن تنحسر سريعًا، وستظل السماء مفتوحة على احتمالات غير مريحة، والحدود محاطة بقلق لا يهدأ، والضغوط السياسية والاقتصادية تتكثف على الدول التي تملك موقفًا سياديًا مستقلًا مثل الأردن. لكن في المقابل، يبدو أن الأردن دخل هذه المرحلة وهو أكثر تماسكًا مؤسسيًا، وأكثر وضوحًا في أولوياته، وأشد إدراكًا بأن الأمن ليس عسكريًا فقط بل سياسي واقتصادي واجتماعي.
من المتوقع أن يعتمد الأردن في المرحلة القادمة على معادلة صعبة لكنها ضرورية: الحزم في حماية السيادة، والمرونة في إدارة الأزمات، مع تعزيز الجبهة الداخلية حتى لا يكون الشعب ساحة مفتوحة للتشكيك أو الإرباك أو الاستقطاب. فالخطر الحقيقي ليس فقط ما يأتي من الخارج، بل ما قد يتسلل إلى الداخل إن ضعفت الثقة بين الدولة والمجتمع.
ستزداد أهمية الجيش والأجهزة الأمنية ليس بوصفها أدوات ردع فحسب، بل كصمام أمان وطني يطمئن الناس أن الوطن محمي أرضاً وسماءً. وفي الوقت ذاته، سيبقى الرهان الأكبر على وعي الأردنيين أنفسهم، لأن وحدة الجبهة الداخلية هي التي تجعل أي سيناريو عدائي أقل تأثيرًا وأكثر كلفة على من يفكر بالمساس بالأردن.
الأرجح أن الأردن سيواصل سياسة التوازن: لا انجرار للصراعات، ولا حياد باردًا يساوي الصمت، بل موقف سيادي واضح يحمي المصالح الوطنية ويمنع تحويل الأردن إلى ساحة تصفية حسابات. ومع كل اختبار قادم، سيكتشف الجميع أن هذا البلد الصغير جغرافيًا أكبر من أن يُبتلع، وأصلب من أن يُكسر، وأعمق من أن يُختزل.
وهكذا، يدخل الأردن مرحلة جديدة وهو يعلم أن العاصفة لن تهدأ قريباً، لكنه مستعد لها بعقله وجيشه ومؤسساته وشعبه، حاملاً على عاتقه مسؤولية حماية وطنه أرضًا وسماءً، ومؤمنًا بأن الأوطان لا تُصان بالخوف، بل بالثبات والرؤية والكرامة.