قراءة أولية في مقابلة دولة الدكتور جعفر حسان

دقيقة واحدة ago
قراءة أولية في مقابلة دولة الدكتور جعفر حسان

بقلم الصحفي جمال علوي

لم تكن مقابلة رئيس الحكومة الدكتور جعفر حسان مجرّد ظهور إعلامي عابر، بل بدت أقرب إلى تمرين محسوب في إدارة الخطاب، لا في مواجهة الواقع المعيشي القاسي. ففي وقتٍ يغرق فيه الأردنيون تحت ضغط اقتصادي غير مسبوق، جاءت المقابلة بلغة ناعمة ومطمئنة، لكنها منفصلة – إلى حدّ مقلق – عن يوميات الناس وأسئلتهم الحارقة.

الخطير في اللقاء لم يكن ما قيل، بل ما جرى الالتفاف عليه. لم يسمع المواطن إجابة واضحة عن كلفة المعيشة المتصاعدة، ولا عن موجات الغلاء التي تلتهم الدخل الثابت، ولا عن البطالة التي تحوّلت من أزمة مؤقتة إلى نمط حياة، خصوصًا لدى الشباب. جرى الحديث عن “الإصلاح” و”التوازن المالي” و”الظروف الصعبة”، وكأن الصبر بات سياسة عامة، وكأن المواطن لم يعد الطرف الذي يدفع الثمن يوميًا.

في الملف الاقتصادي، أعادت الحكومة إنتاج الخطاب ذاته الذي اعتاد عليه الأردنيون: اعتراف بالمشكلة دون اقتراب من جذورها. لا حديث صريح عن السياسات الضريبية التي أنهكت الطبقة الوسطى، ولا مراجعة حقيقية لنهج الجباية، ولا أي التزام بعدالة توزيع الأعباء. بقي السؤال البسيط معلّقًا بلا إجابة: لماذا تُدار الأزمات دائمًا من جيب المواطن، لا من جيوب المستفيدين من أصحاب الياقات البيضاء …

أما في ملف الإدارة العامة، فقد بدت المقابلة شديدة التحفّظ إلى حدّ الشلل. لا سقوف زمنية للإصلاح، ولا وعود واضحة بالمحاسبة، ولا تسمية مباشرة لمكامن الخلل المتراكمة في الأداء الحكومي. الحديث عن “تحسين الكفاءة” دون قرارات حاسمة لا يعني سوى أمر واحد: شراء الوقت، فيما تتآكل الثقة العامة بوتيرة متسارعة.

ما كشفته المقابلة يتجاوز أداء شخص أو حكومة؛ إنه أزمة نهج يتقن تلطيف اللغة وتدوير المفاهيم، لكنه يتجنّب الصدام مع الواقع. فالدولة لا تُدار بالطمأنة الإعلامية، ولا تُنقذ بخطاب متوازن يخشى تسمية الأشياء بأسمائها. وفي لحظات الاختناق المعيشي، يصبح الحياد ترفًا، ويغدو التأجيل خطيئة سياسية.

الأردني اليوم لا ينتظر خطابًا عقلانيًا باردًا، بل قرارات تمسّ حياته مباشرة: كبح الغلاء، حماية الدخل، وقف الاستنزاف الضريبي، واستعادة هيبة الإدارة العامة بالفعل والمحاسبة، لا بالشرح والتبرير. وكل تأخير في ذلك يعني توسيع الفجوة بين الحكومة والشارع، مهما كانت اللغة منضبطة والعبارات محسوبة.

ختامًا، قد تكون مقابلة الدكتور جعفر حسان ناجحة من حيث الشكل، لكنها أخفقت في أهم اختبار سياسي: أن تقول للناس الحقيقة كاملة، وأن تضع يدها على الجرح لا حوله. فالواقع المعيشي لم يعد يحتمل مزيدًا من الكلام… مهما بدا متزنًا.

والسلام