هل ممارسة عملية تقدير الموقف ترفٌ أمْ ضرورة بقاء؟

منذ 23 ثانية
هل ممارسة عملية تقدير الموقف ترفٌ أمْ ضرورة بقاء؟

وطنا اليوم_بقلم _د. عادل يعقوب الشمايلة

تمارسُ الجيوشُ في اعلى مستوياتِ القيادةِ وحتى ادنى مستوياتها، اي الوحدات القتالية في الميدان عادةَ “تقدير الموقف” عندما تكونُ على مشارفِ مواجهةٍ سواءاً الدفاع او الهجوم.

يتركزُ تقديرُ الموقف على استعراض، ثُمَّ المقارنة “باستخدم معايير قابلة للقياس” بين القدرات والامكانات المتوفرة الجاهزة للاستخدام في أي لحظة، + الاحتياطي الذي يمكن اللجوء اليه + الدعم المنتظر الذي يمكن الاستناد اليه في ضوء احتمالات وصوله من (0-1) تحت مختلف الظروف + مدى التزام ومصداقية وقدرات كل مصدر من مصادر الدعم المتوقع، بين الطرفين اللذين يقفان على حافة الصدام. 

على سبيل المثال على المعايير والمقاييس: اعداد الجنود، مستوى تدريبهم، درجة اتقانهم استخدام الاسلحة والتقنيات المتطورة، مستواهم التعليمي، عقيدتهم القتالية، انواع الاسلحة الدفاعية والهجومية المتاحة ومدى كفائتها وفعاليتها بناء على سمعة الجهة المُصَنِعةِ لتلك المعدات، والدروس المستفادة من الحروب التي استخدمت فيها اسلحةٌ ممثالة.

لا يقتصر “تقدير الموقف” وفي صلبه “المقارنة” على الجيوش. بل تمارسهُ الانديةُ الرياضية التي تتأهب للمشاركة في المباريات وعند اختيار الاندية التي ستلعبُ معها.

كما تمارسهُ الجامعات المحترمةُ المرموقة في الدول المتقدمة التي تتبارز باستمرار للوصول الى اعلى درجات سلم التصنيفات العالمية المعتمدة.

وتمارسه ايضا الشركاتُ المنتجةُ والشركات المُصَدرةُ في عالم تصل فيه المنافسة حد صراع البقاء. 

ومن المؤكد ان الدول تتنافس على اكبر عدد من السياح واطول عدد من ليالي اقامتهم وجنسيات السياح التي ترمز لقدراتهم المالية وقدرتهم على الانفاق وسخاء جيوبهم وحبهم للحياة. لأن هذه العوامل تحدد الدخل السنوي للدولة من السياحة التي تخلق فرصاً للعمل، وطلبا استهلاكيا مما يرفع المستوى المعيشي للاسر التي يرتبط دخلها بالتدفق السياحي والصناعة السياحية بصورة مباشرة وغير مباشرة، وتعدُ مصدراً مهما للعملات الصعبة التي تدعم ميزان المدفوعات والاستقرار الاقتصادي.

نتائج الاعمال التي تعتمد الفبركة والاكاذيب والتمنيات والتهديدات والخطابات الرنانة تختلف عن نتائج الاعمال التي تعبر عنها الموازنات والميزانيات التي تعكس حركة السوق ويؤكدها او ينفيها الاحتياطي من العملات الاجنبية واستقرار سعر العملة الوطنية مقابل العملات العالمية وخاصة الدولار وعجز الموازنة والتغير في حجم الدين العام. 

إنَّ مجرد اجراء استبيان مع سائقي التكسي واصحاب الشقق المفروشة ومعدل اشغال الغرف الفندقية يكشف الاكاذيب والفبركة. هذا مقياس لا يختلف عن ميزان الحرارة. 

باستذكار المصائب والنكبات والاخفاقات ورشقات التهديدات امام الميكرفونات والجمود الذي ادى الى التخلف الحضاري بجانبيه المعرفي والتقني لامتنا العربية نتسائل هل كان يجري تقدير للموقف قبل اي مغامرة وقبل اي مقامرة وقبل أي مؤامرة وقبل اي اتهام وقبل اي قرار استثماري وقبل التورط في الاتفاقيات والمعاهدات والتحالفات وقبل اصدار التصريحات وقبل التزام الصمت المشبوه. فكما انَّ الكلام مسؤوليه، فإن الصمت مسؤوليه. وكما أنَّ الكلام قد يُرتبُ مساءلةً ومحاسبةً، فإنَّ الصمتَ يترتبُ عليه مساءلةٌ ومحاسبه.

اجراء “تقدير موقف” لا غنى عنه لاتخاذ قرار اختيار وشراء سيارة او قطعة ارض. 

ولكن ماذا يملك المقامر من معلومات ليتمكن من تقدير الموقف قبل ان يطرح نقوده على مائدة القمار؟ واحيانا عندما يقامر المقامر بأكثر من المال؟

وفي الختام أُذكر بأنَّ الرسولَ قد مارس تقدير الموقف في كافة غزواته. قبيل غزوة بدر عندما ادرك عدم توازن القوى بين جيشه وجيش قريش. حين قال: اشيروا علي ايها الناس. ليأخذ رأيهم ويفحص مدى استعدادهم وتقبلهم لمواجهة غير متوازنة قد يُحملْ نتائجها ان كانت هزيمة.

وهذا ما صَدَّقهُ القرآن:”وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ” (7).

وقبيل معركة احد كان الرسولُ يفضلُ الدفاعَ عن المدينة من داخلها وعدمَ الخروج لملاقة قريش خارجها لأنهُ يعرفُ فارقَ القوى.

وكذلكَ الأمرُّ في غزوة الخندق. حيثُ قَبِلَ بنصيحة سلمان الفارسي بالبقاء داخل المدينة وحفر الخندق للدفاع من خلفه ومنع دخول قريش لداخل المدينة.