د محمد العزة
سألوا طه حسين، وهو غارق في الكتابة متصببًا عرقًا في أحد مقاهي فرنسا:
لماذا تكتب ولا أحد يقرأ؟
فرفع قلمه وقال:
نحن نكتب للجميع… لعل أحدهم يولد بين السطور.
استعارة هذه المقولة الجميلة و استخدام هذا الرد العبقري لعميد الادب العربي طه حسين ، في مقدمة هذا المقال، قد تكون بمثابة إشارة عدم رضا عن الأداء الحزبي التقليدي هذه الأيام ، و هي صك تفويض مني له للإجابة عن سؤال متكرر، أو قد يتكرر ليكون السؤال على النحو الآتي:
ماهو الهدف أو الدافع للتركيز هذه الأيام على استهداف الأحزاب السياسية و ربطها بالحزبية البرامجية و إفراد كل هذه المساحة النقاشية للحديث عنها و عن حالها و أداءها و مدى تأثير خطابها على الشارع الشعبي العام و قدرته على التفاعل معه و صناعة حالة من الوعي السياسي المجتمعي؟.
الإجابة قد تكون من خلال عدة عناوين لمقالات سابقة تناولت فيها الحزبية البرامجية أهدافها،محاورها، مستقبلها و خصائص احزابها ثم توضيح الفرق و المفارقة ما بين خطابها و نهجها و بين باقي الأحزاب الكلاسيكية التي ما زالت تعاني من جمود في صياغة خطابها على نفس النحو في استخدام ذات المصطلحات الايدلوجية و العقائدية الفكرية ، حتى ذات الانفعالات الحماسية للغة الجسد التي يستخدمها أو ترصد أو تصدر عن اي كادر من كوادر الحزب خلال فعالياته ، دون المحاولة من هذه الأحزاب ببذل اي جهد للتطوير أو محاولة لمراجعة و صقل خطابها لمواكبة هذا العصر ، ليلامس حاجات أبناء وطنها الأساسية و التعبير عن مدى إدراكها و فهمها العميق للمتغيرات التي طرأت عليها و التعامل معها بكل واقعية و أطروحات منطقية ضمن ما تسمح به الاستطاعة و توفره الظروف الموضوعية من إمكانية في حلحلة الأوضاع و تحسينها و المضي قدما خاصة الاقتصادية المعيشية ، و التأكيد على أهمية صناعة رأي عام يوثر في تشكيل الوعي الخام ، و كيف لا و هو القابل للتأثر و التشكيل إيجابا أو سلبا حسب الجهة أو التيار السياسي المؤثر الفاعل والعامل داخل و على أرضية الساحة السياسية الأردنية .
في استعراض سريع لأنماط الخطاب الحزبي فوق مساحات المسطرة الحزبية الثلاث ومدى قوة تأثيره السياسي ، سنجد أنه يصدر عن اليسار الاردني المنهك بصوت حنجرة مبحوحة مجروحة عكس الأيام الخوالي و الأسباب معروفة ، الوسط المحافظ الاردني يصدر عنه خطاب بصوت رخم فخم مضخم فيه الوقار الدال على الهيبة المستمدة من إرث السلطة و تداول مواقعها لمرات عدة ، يحرص فيه على إظهار اللغة المحافظة البيروقراطية في التأكيد على ذات العناوين دون أي تجديد أو ابتكار ، هو وسط سياسي خامل هذه الأيام يحاول أن يكون الهيكل الحامل لباقي الأجنحة الحزبية ، مع أمنياتنا أن يكون كذلك مع توجيه النصيحة له بضرورة اتخاذ خطوات وإجراءات جريئة تحمل طابع الديناميكية السياسية المجتمعية أكثر ، بعيدا عن تقسيمات الطبقة السلطوية السياسية و التقابل من الممارسة المكتبية ، بل الذهاب الى الاشتباك مباشرة نحو مركز و قلب التجاويف الصدرية لرئة الطبقة الشعبية الأردنية بجميع فئاتها .
اما اليمين السياسي الأردني ذو الصبغة الفكرية الدينية التقليدية ، للأمانة هو أنشطها يساعده توظيفه قداسة الصياغة للنص داخل الخطاب السياسي الديني و هو أبرع من نحت جداريات الجمل و العبارات من الآراء المرتبطة بالمعتقدات الدينية زرعت حتمية السردية داخل اللاوعي الشعبي ، التي وظفت خصوصية الحدث السياسي و تداعياته العسكرية و الإنسانية و الجغرافية و حساسية نقاش مجريات سيناريوهاته و أطرافها حتى أنها حرمت (بالشدة ) و منعت التطرق إلى نتائج حسابات ذلك الحدث المتأرجحة بين الهزيمة أو النصر، لهذا خدمت القداسة خطابهم و منحتهم أفضلية المساحة و الحركة عن غيرهم عدا حرية التعبير و قوة التأثير في تحريك ماكينة الشارع الأردني و شحنها بفولطية عالية من شحنات العاطفة السياسية التي لها ما لها و ما وراء الاكمة ما وراءها ، اوصلت ذلك اليمين الى شعور ، بأنه يمتلك من القدرة لممارسة أحادية الرأي ذو الاتجاه الواحد في الخطاب و فرض كاريزما الشخصية الشمولية و عكسها في صور مرايا الحياة السياسية الأردنية على أنها من الظواهر الطبيعية ويجب تقبلها ، الا انها حالة غير مقبولة بل مرفوضة أو غير مستصاغة لدى أغلبية مجتمعية صامتة لم تتكلم بعد ترفض فرض قيود التفويض و الوصاية ،و تؤمن بحرية التعددية السياسية و تنويع نهج البرامجية ، اذ أن الأحادية حالة مرضية غير صحية بحاجة إلى تصحيح ، تبدأ رحلة تصحيحها بإعادة النظر في تعديل قوانين و تشريعات الانتخابات تحت عنوان تأهيل الساحة الحزبية ، ثم فكفكة الخطاب السياسي و إعادة صياغته ليكون ذا طابع برامجي يهتم و يناقش قضايا غاية في الأهمية للمواطن الأردني اليائس من هكذا نمطية مثل البطالة و الفقر ، الفساد ، التطرف ، التعصب و العصبية ، توفير الخدمات الأساسية، الاستثمار و الاقتصاد السياسي.
السياسة و برامجها بوابة النشاط لماكينة الأحزاب و هي من يمكنها استطاعة السير على سكة التحديث و مساراته ، واضعة نصب عينيها المصلحة الوطنية الأردنية العليا قيادة و أرضا وشعبا