بقلم: رامي الطراونة
يعاتبني بعض الأصدقاء لأنني طرحت فكرة شراء أو إدارة مرفق بحجم ميناء العقبة، بحجة أن الميناء يحتاج إلى خبرة متخصصة، وإلى شركات “عريقة” وذات سجل طويل في الإدارة والتشغيل.
عتبٌ مفهوم لو كان معيار الخبرة يُطبّق على الجميع دون استثناء. لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه: لماذا لا يُستخدم هذا المعيار ذاته عندما تُوقّع الدولة مذكرات تفاهم في قطاعات سيادية أشد حساسية، كقطاع الطاقة والتنقيب عن الموارد الطبيعية؟
قبل أيام فقط، وُقّعت اتفاقية تفاهم للتنقيب عن الهيليوم مع شركة HOTSPUR HELIUM JORDAN LIMITED. شركة لم يتجاوز عمرها خمسة أشهر عند التوقيع، برأسمال اسمي لا يتجاوز جنيهاً إسترلينياً واحداً، موزعاً على 100 سهم قيمة الواحد منها 0.01 جنيه. أربعة أشخاص فقط يشكلون الشركة: مقرها منزل أحدهم في بريطانيا، وهو “لورد” إنجليزي.
أما الخلفيات المهنية لبقية الشركاء، فلا تمت بصلة مباشرة لصناعة الطاقة أو التنقيب: ناشط في مجال الترفيه والسمسرة العقارية في دبي، محاسب، وأستاذ جامعي. لا تاريخ تشغيلي، لا مشاريع منفذة، ولا سجل استثماري يُذكر.
الأمر لا يتوقف هنا. فالشركة الأردنية ما هي إلا واجهة لشركة أم تُدعى HOTSPUR HELIUM LIMITED، عمرها سنتان، لم تنفذ خلالهما أي نشاط فعلي، وكان رأس مالها حتى ما قبل توقيع الاتفاقية لا يتجاوز 600 جنيه إسترليني. وبعد التوقيع مباشرة، جرى “تعزيز” رأس المال ليصل إلى 869.5 جنيه، أي بزيادة مقدارها 269.5 جنيه فقط، مع دخول مساهمين جدد بحصص رمزية.
نحن هنا لا نتحدث عن شركة عملاقة كما صوّرها بعض الإعلام، بل عن كيان ورقي، تُستخدم فيه الشركات ذات المسؤولية المحدودة كأدوات لتقليل المخاطر القانونية، ونفخ القيمة السوقية لاحقاً عبر تسويق الاتفاقيات للمستثمرين.
الأخطر أن أحد الأسماء المحورية في هذه الشبكة له تاريخ سابق في إنشاء شركات تنقيب من منزله، من بينها شركة Hotspur Geothermal، التي ارتبطت بشراكة مع شخصيات وُجهت لها لاحقاً اتهامات دولية خطيرة تتعلق بالفساد وغسيل الأموال عبر شبكات شركات معقدة.
السؤال هنا ليس قانونياً فقط، بل سياسي وأخلاقي:
هل نرفض على الأردنيين التفكير في إدارة أو تملك مرافق وطنية بحجة “غياب الخبرة”، بينما نفتح الباب لشركات حديثة الولادة، بلا سجل، وبلا رأس مال حقيقي، لمجرد أن في مجلس إدارتها لقب “Lord” يفتح الأبواب ويمنح غطاءً رمزياً؟
إذا كانت الخبرة شرطاً، فلتكن شرطاً على الجميع.
وإذا كان رأس المال والملاءة والسجل التشغيلي معايير أساسية، فلا يجوز التعامل معها بانتقائية.
القضية ليست شخصنة، بل مبدأ:
إما أن نؤمن بقدرة الدولة على التقييم الصارم والشفاف،
أو نعترف بأن الألقاب والعلاقات ما زالت أقوى من الأرقام والخبرة.
وفي الحالتين، من حق الأردنيين أن يسألوا…
ومن واجب المسؤولين أن يجيبوا.







