د. محمد عبد الله القواسمة
ترك رفاقه الجنود، وانسل إلى داخل بيت رُدم جزء منه. لم يهتم بندائهم عليه باسمه شالوم. يريد أن يتسلى، أن يرى كيف يعيش هؤلاء الناس أعداءه، ويشمت بما حل بهم، وأن يحصل على شيء للذكرى.
دفع بقدمه الباب وتقدم قليلًا. طارت أمامه حمامة، جفل وتراجع إلى الخلف، ضحك من نفسه. دخل غرفة كبيرة. شعر بالخوف، مع أن طائرة الاستطلاع تزن في سماء المنطقة. فكر في الرجوع، لكن شجع نفسه. كيف يعود خالي اليدين؟ مشى بين الأثاث، والزجاج المحطم فوق الملابس، والكتب المتناثرة، من بينها نسخ من القرآن بأحجام مختلفة.
انتقل إلى غرفة أخرى، كانت غرفة النوم. على طاولة قصيرة، بجانب السرير، انتصبت صورة لعروسين بين نسخة من القرآن وكتاب “فلسطين التاريخية”. استشاط غضبه، ولوح يده، وأطاح بما على الطاولة.
وصلت إليه ضحكات رفاقه في الخارج، أطل عليهم من النافذة. سمعهم يهنئون بعضهم بعضًا بأنهم سيطروا على المنطقة، وقتلوا ما وصفوه بآخر حيوان بشري، وهو رجل مسن أصم، قتلوه بعد أن رفع يديه مستسلمًا. ثم راحوا بالغناء، ردد معهم أغنيتهم السقيمة:
لا ماء ولا كهرباء.. في غزة
ردمنا البيوت.. في غزة
طائراتنا أحرقت الخيام.. في غزة
لا سلام مع الإرهابين.. في غزة.
ثم توقف عن الغناء، وانتبه إلى خزانة الملابس، بعثر ما فيها، وأمسك بقطعة صغيرة من الملابس، راح يضحك، ثم رماها على السرير. رأى على رف في الخزانة خاتم زواج صغيرًا. وضعه في إصبعه، وشرع يحركه ويهز رأسه. شاهد قيثارة أمام المرآة، إنها أفضل من قيثارته التي تركها في البيت. رغب في أن يعزف، لكن أين الريشة لا يحسن العزف إلا بها. لا بأس هذه المرة سيعزف دون ريشة.
جلس على حافة السرير وتناول القيثارة، أحس بأنها ترتجف بين يديه، وانتقلت الرجفة إلى جسده. لم يعد يدرك ما حوله، وسرح عقله بعيدًا، وانشدت أذناه إلى كلمات، تنطلق من القيثارة:
“لا تجعل أناملك الملطخة بالدماء تلامس أوتاري. ولا تجعل صدرك الحاقد يلامس جسدي، ولا يدك تحاول ضبط مفاتيحي! أنت قاتل الأطفال والشيوخ والنساء. أنت هدمت البيوت، ودمرت المستشفيات، وقتلت العلماء والأدباء. لم يسلم منك الحجر والشجر والبشر. أنت تحاول إبادة كل شيء على هذه الأرض التي تدعي أنها لك، وأن من عليها مخلوقات متوحشة. جئت من وراء البحار كي تستولي على بلاد ليست بلادك، وتقتل أصحابها الذين قدروا أهلك ذات يوم من أيام الأندلس الغابرة. كيف لك أن تمسك بي، لتبعث ألحانك التي تمجد الدمار والخراب، وتمدح الظلم والإجرام؟! لا يليق بك أن تغني. أية أغنية تنطلق من قلبك الحاقد؟! أي لحن ينبثق من مخزون قلبك البغيض؟! أية معان تحملها نغماتك غير معاني العنصرية والعنجهية. أنصحك أن تتركني وترحل. لم اعتد إلا أن أجود بأعذب الألحان، ألحان تمجد الحياة، وتمتدح جمال الطبيعة، وتضحيات إنسان هذه الأرض المقدسة. أنصحك أن ترحل، وتدعو جماعتك الحمقى إلى مغادرة المكان؛ لأنهم طارئون عليه، ولا يطيق وجودهم على ترابه.
توقف ارتجاف القيثارة. صحا على حاله، تذكر ما حدث قبل أشهر، ورفافه الذين قتلوا. سمع في الخارج دوي انفجارات وأصوات. أسرع إلى النافذة، رأى النار تشتعل في رفاقه، انتابه الهلع. لم يفطن إلى القيثارة، بقيت في يده. راح يتمتم، ويدعو رب إسرائيل ألا ينساه هنا. اتجه نحو الباب. كان أمامه رجل، بيده بندقية، ويرتدي ملابس نوم، وفي قدميه حذاء ممزق. لم يستطع الحركة سمع صيحة قبل أن ينطلق الرصاص: