بقلم د. معروف سليمان الربيع
يقدّم الأستاذ الدكتور زيدان كفافي في مقاله “أرض الأردن تكتب تاريخها” نصًا يتجاوز حدود السرد التاريخي التقليدي، ليؤسس لرؤية فكرية تنظر إلى الأردن بوصفه فضاءً حضاريًا متصلًا تشكّل عبر آلاف السنين من التفاعل بين الإنسان والأرض والذاكرة.
فالمقال لا يكتفي باستحضار الوقائع والأحداث، بل يحاول إعادة بناء الوعي بالهوية الوطنية على قاعدة تاريخية عميقة، تنطلق من الجغرافيا وتصل إلى الإنسان بوصفه صانع الحضارة وحاملها.
وتبرز قوة النص في غناه المعرفي واعتماده على شواهد أثرية وتاريخية متنوعة، قدّمها الدكتور كفافي بلغة العارف المتخصص الذي يمتلك أدواته العلمية ورؤيته الفكرية في آنٍ معًا. إذ نجح في رسم صورة بانورامية لمسيرة الإنسان على أرض الأردن منذ أقدم العصور، رابطًا بين التحولات الحضارية والتطور الاجتماعي والسياسي والثقافي، في سردية متماسكة تؤكد عمق الحضور الأردني في التاريخ الإنساني.
ومن أبرز ما يميز المقال تركيزه على مفهوم التعدد بوصفه أحد أهم عناصر الهوية الأردنية. فالكاتب لا ينظر إلى التنوع السكاني والثقافي والديني باعتباره حالة طارئة، بل يعدّه جزءًا أصيلًا من تكوين الأردن الحضاري، وهو طرح يحمل قدرًا عاليًا من النضج والانفتاح، ويمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز القراءة الضيقة للتاريخ.
كما يُحسب للدكتور كفافي حرصه على ربط الماضي بالحاضر، وتأكيده أن السردية الوطنية ليست مجرد استذكار للأحداث، بل مشروع وعي وانتماء يحفظ الذاكرة الجمعية ويحصّنها من التشويه أو التبسيط. وهذه الفكرة تمنح المقال قيمة فكرية ووطنية مهمة، خصوصًا في زمن تتنازع فيه الروايات والهويات وتتعرض فيه الحقائق التاريخية لمحاولات إعادة التفسير والتوظيف.
وعلى المستوى اللغوي، حافظ النص على لغة رصينة ذات طابع أكاديمي واضح، عكست خبرة الكاتب وعمق اشتغاله في التاريخ والآثار، مع حضور ملحوظ للنفس التأملي الذي منح المقال بعدًا وجدانيًا في كثير من المقاطع، خاصة حين تحدث عن الإنسان الأردني بوصفه امتدادًا حيًا لحضارة المكان.
ورغم أن كثافة المادة التاريخية جعلت بعض الأجزاء تميل إلى الطابع البحثي، فإن ذلك لا ينتقص من القيمة الفكرية للنص، بل يؤكد حجم الجهد العلمي المبذول فيه، ويعكس رغبة الكاتب في تقديم سردية متكاملة لا تقوم على الاختزال أو الانتقاء، وإنما على التراكم الحضاري بوصفه أساسًا لفهم الهوية الوطنية.
في المحصلة، يقدّم الدكتور زيدان كفافي نصًا ثريًا ومهمًا يعيد الاعتبار لفكرة الأردن بوصفه وطنًا ضاربًا في عمق التاريخ، ويطرح رؤية تستحق التوقف عندها لما تحمله من وعي حضاري وإنساني، ولما تفتحه من أبواب للنقاش حول معنى الهوية والسردية الوطنية في الزمن المعاصر.






