وطنا اليوم:دفعت المخاوف المتصاعدة من الاختراقات الاستخباراتية والاستهدافات الجوية، ميليشيا الحوثي نحو إعادة تشكيل طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها شمالي اليمن، عبر تكريس نمط أكثر انغلاقاً وسرية، يعكس حجم القلق الذي بات يطوق مراكز القرار داخل الجماعة.
وكشفت مصادر أمنية يمنية أن الحوثيين وسّعوا خلال الفترة الأخيرة نطاق الإجراءات الأمنية المشددة لتشمل معظم قيادات الحكومة غير المعترف بها دولياً، بعد أن كانت هذه التدابير تقتصر سابقاً على الدائرة العقائدية والعسكرية العليا.
وبحسب المصادر، بدأت الميليشيا بتنفيذ سلسلة احترازات غير مسبوقة، تضمنت تغيير مواقع إقامة وتخفّي عدد من القيادات المؤثرة بشكل متكرر في صنعاء وصعدة، إلى جانب الاستبدال الدوري للطواقم الأمنية المرافقة لهم، في ظل تصاعد الشكوك الداخلية بشأن تسرب معلومات عن تحركات القيادات إلى أجهزة استخبارات خارجية.
كما أصدرت الميليشيا توجيهات تحدّ من الظهور العلني لمعظم الوزراء والمسؤولين، مع الاكتفاء بأنشطة محدودة تخضع لحسابات أمنية دقيقة، بالتزامن مع اعتماد نمط إداري سري لإدارة مؤسسات الدولة من خلف الستار.
إدارة موازية
وتشير المصادر إلى أن الحوثيين باتوا يعتمدون بصورة متزايدة على مدير مكتب رئيس ما يسمى بـ”المجلس السياسي الأعلى” أحمد حامد، الذي تصاعد نفوذه داخل البنية التنظيمية والإدارية للجماعة بحكم علاقته المباشرة بزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي.
وأكدت أن حامد شكّل شبكة موازية من وكلاء الوزارات المحسوبين على التيار العقائدي، ومنحهم صلاحيات واسعة بعيداً عن الأطر الرسمية، لإدارة المؤسسات عبر تعليمات تنقل من خلال قنوات أمنية مغلقة يشرف عليها جهاز “أمن الثورة”.
ويتزامن هذا التحول مع تشديد غير مسبوق على منظومة الاتصالات، إذ تواصل الجماعة فرض قيود صارمة على استخدام وسائل الاتصال الحديثة والرقمية، والعودة إلى وسائل تقليدية بدائية، خشية الاختراق والرصد الإلكتروني.
وترى المصادر أن حالة الارتياب الأمني انعكست على بنية السلطة داخل الميليشيا، وأدت إلى اتساع فجوات التواصل داخل هرم القيادة، ما ساهم في تراجع فعالية المؤسسات وتدهور الأداء الخدمي في مناطق سيطرة الحوثيين.
كما ساهمت هذه الأوضاع، إلى جانب التصعيد الإقليمي المتزايد، في تعثر تعيين بدلاء لرئيس الحكومة السابق وعدد من الوزراء الذين قتلوا خلال الضربة الإسرائيلية التي استهدفت اجتماعاً لحكومة الحوثيين في صنعاء خلال أغسطس الماضي.
“إدارة خفية”
ويعتبر مراقبون أن الضربة الإسرائيلية الأخيرة شكّلت نقطة تحول فارقة في طريقة تعاطي الجماعة مع الملف الأمني، بعدما كشفت هشاشة الإجراءات السابقة وقدرة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية على جمع وتحليل معلومات دقيقة عن تحركات القيادات.
وفي هذا السياق، قال الخبير الأمني عاصم المجاهد إن ما يحدث حالياً “ليس تحولاً جذرياً بقدر ما هو عودة إلى البنية الأصلية التي نشأت عليها الجماعة”، موضحاً أن الحوثيين كانوا تاريخياً تنظيماً مغلقاً يعتمد على السرية وإخفاء القيادات الحساسة والعمل ضمن دوائر ضيقة.
وأضاف المجاهد أن الجماعة، بعد سيطرتها على صنعاء عام 2014، حاولت تقديم نفسها كسلطة أمر واقع تدير مؤسسات دولة بشكل علني، ما دفعها إلى توسيع حضور قياداتها في المشهد العام، لكن الضربات الأخيرة أعادتها إلى نمطها الأمني التقليدي بصورة أكثر تشدداً.
وأشار إلى أن الحوثيين باتوا يديرون الملفات الحساسة من خلف طبقات معقدة من الحماية والتعتيم الأمني، في محاولة لتقليل فرص الرصد والاستهداف، وهو ما يعكس حجم القلق من تحوّل أي تحرك أو ظهور علني إلى هدف مباشر.
معضلة الأمن والحكم
ويرى المجاهد أن هذا الأسلوب يمنح الجماعة قدرة أكبر على حماية قياداتها وتقليل خسائرها على المدى القصير، لكنه يخلق في المقابل أزمة أعمق تتعلق بالتناقض بين متطلبات الأمن ومتطلبات إدارة الدولة.
وأوضح أن “الدولة تحتاج إلى حضور إداري واضح وتواصل مباشر مع المجتمع، بينما تقوم التنظيمات العقائدية المغلقة على السرية والشك وإدارة السلطة عبر دوائر ضيقة”، محذراً من أن توسع هذا النمط سيدفع الحوثيين نحو مزيد من الانغلاق والتشدد، حتى وإن عزز قبضتهم الأمنية داخل مناطق سيطرتهم.
وختم بالقول إن الجماعة تبدو اليوم أقرب إلى “سلطة ظل” تركز على حماية بنيتها الأمنية أكثر من اهتمامها بإدارة المجال العام، في تحول يكشف عمق الأزمة التي تعيشها تحت ضغط الاستهدافات والاختراقات المتزايدة.






