أ. المحامي فيصل اخليف الطراونة
تُعدّ الحقوق العمالية من أبرز مظاهر الحماية التشريعية التي كرّسها قانون العمل الأردني تحقيقًا للتوازن في العلاقة بين العامل وصاحب العمل، باعتبار أن هذه العلاقة لا تقوم ـ في الأصل ـ على مساواة فعلية في المركز الاقتصادي أو التفاوضي بين طرفيها. ومن هذا المنطلق، اتجه المشرّع إلى إحاطة العامل بجملة من الضمانات القانونية ذات الطبيعة الآمرة، بما يحول دون الانتقاص منها أو الالتفاف عليها تحت أي صورة من الصور.
وفي هذا الإطار، استقر التنظيم التشريعي في قانون العمل الأردني على مبدأ جوهري يتمثل في بطلان أي تنازل يصدر عن العامل من شأنه المساس بالحقوق التي قررها القانون لمصلحته، سواء ورد هذا التنازل ضمن عقد العمل، أو في اتفاق لاحق، أو في صورة مخالصة مالية تُوقّع عند انتهاء علاقة العمل.
وتستند هذه الحماية إلى الطبيعة الخاصة لقواعد قانون العمل، بوصفها من القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام، الأمر الذي يترتب عليه عدم جواز الاتفاق على ما يخالف الحد الأدنى من الحقوق والضمانات التي أوجبها المشرّع للعامل. وعليه، فإن إرادة العامل ـ ولو كانت صريحة ـ لا تُنتج أثرها القانوني متى انصرفت إلى التنازل عن حق تقرره النصوص الآمرة، لأن الحماية التشريعية في هذا المجال لا تستهدف حماية مصلحة فردية مجردة، وإنما ترمي كذلك إلى حماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتحقيق العدالة في علاقات العمل.
وتتجلى أهمية هذا المبدأ بصورة واضحة في المخالصات المالية التي يوقّعها بعض العمال عند انتهاء خدمتهم، والتي تتضمن ـ في كثير من الأحيان ـ عبارات عامة تفيد باستلام العامل لكافة مستحقاته المالية وإبراء ذمة صاحب العمل إبراءً شاملاً ونهائيًا. ورغم ما قد توحي به هذه العبارات من حجية قانونية، إلا أن القضاء الأردني استقر في العديد من أحكامه على أن هذه المخالصات لا تحول دون حق العامل في المطالبة بأي حقوق عمالية ثبت عدم استيفائها فعليًا، متى كانت تلك الحقوق مقررة بموجب القانون ولا يجوز التنازل عنها.
ومن ثمّ، فإن حجية المخالصة المالية في نطاق علاقات العمل ليست حجية مطلقة، وإنما تخضع لرقابة القضاء من حيث مدى توافقها مع أحكام قانون العمل والنصوص الآمرة فيه. فالعبرة لا تكون بمجرد التوقيع الشكلي على الإقرار أو المخالصة، وإنما بحقيقة الحقوق التي استوفاها العامل فعليًا، ومدى توافر الإرادة الحرة غير المشوبة بالضغط أو الحاجة أو عدم التكافؤ الاقتصادي.
وفي التطبيق العملي، كثيرًا ما يثور النزاع القضائي بعد انتهاء علاقة العمل، عندما يعود العامل للمطالبة ببدل العمل الإضافي أو الإجازات السنوية أو مكافأة نهاية الخدمة أو غيرها من الحقوق، رغم توقيعه على مخالصة نهائية. وهنا تتجه المحاكم إلى بحث أصل الحق ومدى استحقاقه قانونًا، دون أن تعتبر المخالصة مانعًا مطلقًا من سماع الدعوى، متى ثبت أن الحقوق المطالب بها تدخل ضمن نطاق الحماية القانونية المقررة للعامل.
ويُستفاد من ذلك أن الحماية التي قررها المشرّع للعامل لا تقوم على افتراض انعدام الإرادة لديه، وإنما على إدراك حقيقة التفاوت القائم في مراكز القوى بين طرفي العلاقة العمالية، وما قد يترتب على هذا التفاوت من استغلال اقتصادي أو عملي يدفع العامل إلى التنازل عن حقوقه تحت وطأة الحاجة أو خشية فقدان مصدر رزقه.
وعليه، فإن بطلان تنازل العامل عن حقوقه المالية لا يُعد خروجًا على مبدأ سلطان الإرادة بقدر ما يُمثل قيدًا تشريعيًا مشروعًا فرضته اعتبارات العدالة الاجتماعية ومتطلبات حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية، بما ينسجم مع الوظيفة الاجتماعية لقانون العمل وأهدافه في تحقيق الاستقرار المهني والاقتصادي.
ومن هنا، فإن أي معالجة قانونية للمخالصات العمالية يجب أن تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن حقوق العامل المقررة بموجب القانون ليست محل مساومة أو إسقاط بالإرادة المنفردة، وإنما هي ضمانات تشريعية ذات طبيعة حمائية، تستمد قوتها من اتصالها بالنظام العام الاجتماعي الذي حرص المشرّع على صيانته وحمايته.






