د. عادل يعقوب الشمايله
انصح الجميع بقراءة هذا المقال.
بَيَّنتُ في مقالي السابق، أنه لم يعد ممكناً فهم وتقدير حجم الاقتصاد الرقمي المعاصر بالاعتماد على الأدوات التحليلية الكلاسيكية. فمنذ صدور كتاب “رأسمالية المراقبة” عام 2019، برزت مقاربة تحليلية جديدة تُعيد تعريف طبيعة القيمة الاقتصادية ومصادرها، وتكشف عن تحولات عميقة في بنية الرأسمالية ذاتها.
ورغم الأهمية البالغة لما جاء في كتاب شوشانا زوبوف “رأسمالية المراقبة” خاصة في مجال السياسات العامة، فقد غاب عن النقاشات الاقتصادية في الأردن، سواءاً على مستوى صناع القرار في القطاع العام او في القطاع الخاص، هذا إذا كانوا قد اطلعوا على مضمون الكتاب أو أُطلعوا عليه. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى جاهزية البيئة المؤسسية المحلية لمعرفة ومواكبة التحولات الجارية في الاقتصاد الرقمي العالمي والصعود إلى قطارها السريع.
تقوم أطروحة زوبوف على فكرة محورية مفادها أن الشركات الرقمية الكبرى لم تعد تكتفي بتقديم الخدمات المعروفة المعروضة التي يطلبها المستخدمون عادة، بل تجاوزت هذا الاطار التعاقدي لتستخرج بدون علمهم ولا موافقتهم قيمةً مضافةً مستجدة أُطلق عليها اسم “الفائض السلوكي”. والتي يمكن تعريفها بأنها البيانات التي تتجاوز الحاجة التشغيلية للخدمات المعروضة المطلوبة المعروفة، حيث يتم تحويلها إلى مادة خام تستخدم للتنبؤ بالسلوك البشري.
ويقصد بالسلوك البشري الذي يهم التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي: مجموعة الأنماط والتصرفات والقرارات والتفضيلات والاستجابات النفسية والعاطفية والمعرفية التي يُظهرها الأفراد أثناء تفاعلهم مع البيئة الرقمية، والتي يمكن ملاحظتها أو قياسها أو التنبؤ بها بهدف التأثير على قراراتهم الاستهلاكية أو توجيهها لتحقيق الربح منها. أي كامل البصمة السلوكية للإنسان:
ماذا يبحث؟ماذا يشاهد؟كم ثانية بقي أمام صورة معينة؟ ماذا تجاهل؟ ماذا أعجبه؟ ماذا أضاف إلى السلة ثم تراجع؟ متى يشتري؟ ما حالته النفسية التقريبية؟ ما قدرته الشرائية؟ ما نقاط ضعفه ورغباته؟ ما نوع اللغة أو الصور التي تؤثر فيه؟ ما علاقاته الاجتماعية؟ ما ميوله السياسية أو الثقافية أو الدينية أو الجمالية؟ كيف يتفاعل مع الخوف أو الإغراء أو العروض المحدودة؟
في نظر زوبوف فإن الرأسمالية الرقمية لم تعد تكتفي باستغلال العمل البشري، بل أصبحت تستغل الحياة البشرية نفسها بوصفها مصدرًا للبيانات. هذا التوجه يستبدل الاستعمار العسكري التقليدي الذي جاهدت الشعوب منذ بداية القرن العشرين للخلاص منه بالاستعمار الرقمي Digital Colonialism
كما ويستبدل التبعية الاقتصادية الاستعبادية بالتبعية الرقمية Data Dependency
في بلدنا الأردن لم نكتف بعدم الالتفات إلى ما جاء في كتاب زوبوف بعد ظهوره عام ٢٠١٩، بل لم نتنبه ايضا إلى التحولات التي ظهرت بعد صدوره بسنوات، حيث تطورت قدرات الاقتصاد الرقمي من القدرة على التنبؤ إلى القدرة على التأثير على السلوك البشري الذي عَرَّفناهُ آنفاً، وتوجيهه لمصلحة جهات خارجية مؤهلة للاستفادة من التطور التكنلوجي الأحدث المتمثل في :
1. ظهور ثم تطور ثم صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي مكن من ظهور نماذج لغوية قوية نتج عنها احداث نقلة نوعية في مدى فهم اللغة البشرية، وتطوير محتوى مخصص عالي التأثير. هذا التطور في النماذج اللغوية والذكاء الاصطناعي عَدَّلَ من دور الإعلان الرقمي ليتحول من مجرد توجيه للرسائل، إلى حملة إقناع تستهدف الأفراد بناءاً على خصائصهم السلوكية والنفسية.
2. تعاظم اقتصاد المنصات نتيجة قدرتها على تعطيل بعض الشروط المعروفة للمنافسة الكاملة وحرية السوق لإفساح المجال لظهور عدد قليل من الشركات الاحتكارية التي تهيمن على البيانات العالمية بناءاً على صفقات الاندماجات والاستحواذات للاستفادة من وفورات الاقتصاد الكبير.
3. محدودية الأطر التنظيمية
تثبت التجربة العملية قدرة الشركات الكبرى على تجاوز التشريعات التي وضعت لتحديد اطار عملها، والتي تبين ما هو مسموح به وما هو ممنوع، والتكيف مع القيود التنظيمية، دون تغيير جوهري في نماذج أعمالها القائمة على استخراج البيانات.
4. توسع نطاق المراقبة
لم تعد المراقبة التي تمارسها الشركات مقتصرة على الفضاء الرقمي، بل أصبحت تشمل البيئة المحيطة من خلال الأجهزة الذكية، والسيارات، وأنظمة المنازل، ما أدى إلى نشوء منظومة مراقبة شاملة ومترابطة.
5. تسييس البيانات
أظهرت دراسات متعددة أن البيانات قد استخدمت فعلياً في الحملات الانتخابية وفي توجيه الرأي العام وأبرز مثال على ذلك ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام ٢٠١٦ حيث اتهمت روسيا بدعم انتخاب الرئيس ترامب. الأمر الذي يربط بين القوة الاقتصادية والسلطة السياسية على نحو غير مسبوق.
مراجعة نقدية لأطروحة زوبوف
يطرح التحول الذي تلى صدور كتاب زئوف أسئلة جوهرية:
هل البيانات ملكية خاصة أم مورد عام؟ هل يجب تعويض الأفراد عن بياناتهم؟ هل تمثل البيانات مورداً سيادياً للدولة؟
من المهم التأكيد على أن البيانات بحد ذاتها لا تملك قيمة اقتصادية مباشرة بوصفها معلومات خام فقط، وإنما تكتسب قيمتها من قدرة الخوارزميات على تحويلها إلى تنبؤات قابلة للبيع أو إلى أدوات للتأثير في السلوك الاستهلاكي والسياسي، وهو ما يجعل القيمة الحقيقية كامنة في عمليات التحليل والمعالجة والاحتكار الشبكي. وهذا وضع يمكن تشبيهه بمادتي الفوسفات والبوتاس اللتان تستخرجان وتصدران كمواد خام باسعار متدنية وعائد اجمالي يقل كثيرا عن العائد لو تم تصنيعها كمنتجات جاهزة للاستهلاك والاستخدام ثم تصديرها.
إلى جانب ذلك فقد لوحظ ان زوبوف قد ركزت في كتابها على دور شركات القطاع الخاص مغفلة دور القطاع العام. إلا أن التجربة العملية برهنت على أن باستطاعة الحكومات لعب ادوار هامة سواءا كمنظم، أو كمستفيد، أو حتى كشريك في منظومات المراقبة.
كما أنها لم تعط وعي الأفراد المستخدمين الاهمية النسبية المناسبة. وهو ما ثبت خطأه بعد ان تبين بمراقبة ومتابعة وتقييم سلوكيات المستخدمين، أن الأفراد ليسوا بلا تأثير على الرغم من اختلال موازين القوة حيث تزايد حذرهم واستخدامهم لأدوات الحفاظ على الخصوصية والمقاومة الرقمية.
الحالة الأردنية:
يجدر التنبيه إلى الملاحظات التالية:
1. مجانية البيانات:
نظرا لعدم وجود صناعة متقدمة لتحليل البيانات، أو شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي في الأردن، فإن الاستفادة من القيمة المضافة للبيانات غير ممكنة لتنتفع منها المنصات والشركات العالمية بالمجان. حيث تستخرج البيانات عن تعاملات وتفاعل وصفقات الأردنيين وتحللها وتحولها إلى منتج له قيمة وتبيعها. أي أنها تحول البيانات إلى أصول رقمية قابلة للتسليع Monetization وتحقق من ذلك عوائد مالية عاليه دون ان يحصل الاردن على أي حصة من العائد. هذا التصدير غير المرئي للثروة يكرس نمطاً جديداً من التبعية الرقمية.
٢-قصور الإطار التشريعي
تركز التشريعات القائمة على حماية الخصوصية، لكنها لا تعالج قضايا جوهرية مثل: ملكية البيانات، عوائد استخدامها، حقوق الأفراد الاقتصادية.
٣- هشاشة الوعي الرقمي
نظرا لمحدودية الوعي لدى المستخدمين في الأردن فإن ذلك ينعكس على قابليتهم للتأثير السلوكي. وبسبب الانتشار الواسع للاستخدام الرقمي فإن العائد للشركات يكون اعلى.
٤- لا زالت دائرة الاحصاءات العامة باعتبارها الجهة الرسمية المسؤولة عن اعداد الحسابات القومية (الدخل القومي، الناتج المحلي الاجمالي، الناتج القومي الاجمالي..) تستخدم المعادلة الكلاسيكية الضيقة. وهذا يؤثر على القيمة الحقيقية للناتج المحلي الاجمالي ومعدل النمو الاقتصادي السنوي. على الدائرة الاستعداد لتعديل حساباتها عندما يلج الأردن عالم الاقتصاد الرقمي






