بعد مقتل وزير الدفاع وإعلان الحداد.. ما مصير قيادات مالي؟

3 ساعات ago
بعد مقتل وزير الدفاع وإعلان الحداد.. ما مصير قيادات مالي؟

وطنا اليوم:تواجه مالي منعطفا تاريخيا هو الأخطر منذ انقلاب عام 2020، حيث وجدت السلطة العسكرية الحاكمة نفسها تحت وطأة هجمات منسقة غير مسبوقة أسفرت عن مقتل وزير الدفاع، وتضارب الأنباء حول سقوط مدينة كيدال الإستراتيجية في قبضة جبهة تحرير أزواد، وسط صمت غامض من رئيس المجلس العسكري الحاكم آسيمي غويتا.

ضربة في قلب “كاتي”
تؤكد التقارير الواردة أن وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا (47 عاما) قُتل إثر هجوم انتحاري استهدف مقر إقامته في بلدة كاتي (15 كيلومترا شمال باماكو). وبحسب بيان الحكومة الذي بثه التلفزيون الرسمي، صدم انتحاري يقود سيارة مفخخة منزل الوزير، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة.
وتشير مصادر إلى أن كامارا اشتبك شخصيا مع المهاجمين وتمكن من تحييد بعضهم قبل أن يصاب بجروح توفي على إثرها لاحقا في المستشفى. وقد أسفر الانفجار عن تدمير منزله بالكامل، وأفادت تقارير بمقتل أفراد من عائلته، بينهم زوجته الثانية، حسب بعض التقارير.
لم يكن كامارا مجرد وزير، بل كان الشخصية الأكثر نفوذا في المجلس العسكري بعد آسيمي غويتا، ويمكن تلخيص أهميته في النقاط التالية المستمدة من التقارير:
مهندس التحالف الروسي: يُعتبر كامارا المعماري الرئيسي لعملية تقارب باماكو مع موسكو، فهو الذي أدار ملف استقدام مقاتلي “فاغنر” (التي أصبحت “فيلق أفريقيا”)، وهو خريج الأكاديميات العسكرية الروسية ويوصف بـ”الصقر” الذي دفع نحو القطيعة مع فرنسا والقوات الدولية.
دينامو العمليات العسكرية: كان القوة الدافعة خلف الإستراتيجية الهجومية للجيش المالي، بما في ذلك عملية “استعادة كيدال” في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، والتي روّج لها النظام باعتبارها نصرا رمزيا كبيرا.
الشرعية السياسية للمجلس: بصفته عضوا في “النواة الصلبة” لضباط انقلاب 2020، كان كامارا يمثل الضمانة لاستقرار هرم السلطة العسكرية، ومقتله يمثل “ضربة في قلب النظام” ويفقده أحد أهم أعمدته التي صاغت سياسة مالي السيادية الجديدة.
وتشير التحليلات الواردة في المصادر إلى أن غياب كامارا يفتح “منطقة من الغموض” حول مستقبل التحالف مع روسيا، حيث كان هو حلقة الوصل المباشرة مع موسكو.
كما أن مقتله في “كاتي” -أكثر المناطق تأمينا- يكشف عن خرق أمني كبير يضعف من صورة المجلس العسكري الذي وعد الماليين بالأمن والاستقرار.
وأعلنت السلطات المالية الحداد الوطني لمدة يومين تنكس خلالهما الأعلام فوق المباني الرسمية، تقديرا لدور كامارا كأحد أعمدة النظام.
وبينما قدم المتحدث باسم الحكومة تعازيه لـ”جميع القتلى المدنيين والعسكريين” الذين سقطوا في الهجمات المنسقة التي طالت 6 مواقع في أنحاء البلاد، فقد تحاشى البيان الحكومي تقديم حصيلة نهائية لعدد الضحايا، مكتفيا بالإشارة إلى وقوع “إصابات وأضرار مادية محدودة”، في حين شدد على أن الوزير الراحل سيُشيع في “جنازة وطنية”.

مصير القيادات
يظل مصير رئيس المجلس العسكري، الجنرال آسيمي غويتا، مثار تساؤلات واسعة في ظل غيابه التام عن المشهد منذ بدء الهجمات.
وتشير المصادر الأمنية (وفقا لإذاعة فرنسا الدولية ووكالة الصحافة الفرنسية) إلى أنه تم إجلاؤه من مقر إقامته في كاتي يوم السبت خلال النهار، ونُقل تحت حماية حرسه الخاص إلى “مكان آمن”، يُعتقد أنه معسكر للقوات الخاصة في ضواحي باماكو.
ورغم إعلان جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” استهداف مقر إقامته، فإن غويتا لم يظهر أو يلقِ أي كلمة، وهو الصمت الذي وصفه المحللون والدبلوماسيون بالـ”مستغرب” والمقلق في ظل أزمة بهذا الحجم.
في السياق ذاته، تواترت الأنباء في المصادر الأمنية عن تعرض كبار القادة العسكريين لإصابات مباشرة خلال الهجمات على بلدة كاتي:
الجنرال موديبو كوني: رئيس مخابرات الدولة (أمن الدولة) وأحد أقوى رجال المجلس العسكري، إذ أفادت مصادر بينها صحيفتا “لو موند” و”لوفيغارو” بأنه تعرض لإصابة خطيرة خلال الهجوم الذي استهدف المقرات القيادية في كاتي.
الجنرال عمر ديارا: رئيس هيئة الأركان العامة للجيش، فقد أشارت تقارير أمنية إلى إصابته بطلق ناري خلال اشتباكات السبت. ورغم ظهوره لاحقا في التلفزيون الرسمي للإدلاء ببيان حول العمليات العسكرية، فإن مصادر أمنية وصفت وضعه ووضع كوني بأنهما كانا ضمن الأهداف المباشرة لعمليات الاغتيال المنسقة.
لم يقتصر التأثر على القيادات المالية، بل امتد لشركائهم الروس، ففي مدينة كيدال، كشفت المصادر عن رضوخ القادة الميدانيين لـ”فيلق أفريقيا” (فاغنر سابقا) لاتفاق مع متمردي جبهة تحرير أزواد، قضى بانسحابهم من معسكر “المينوسما” المحاصر.
وأكدت التقارير إجلاء ما لا يقل عن 400 عنصر روسي تحت حراسة المتمردين الطوارق باتجاه “تيساليت”، مما يعكس انهيارا في التنسيق القيادي الميداني بين الجيش المالي وحلفائه الروس في المناطق الإستراتيجية.
ووفق ما أوردته مجموعة من التقارير الإعلامية، تخلص التحليلات إلى أن النظام العسكري فقد في غضون ساعات جزءا من “نواته الصلبة” التي قادت انقلاب 2020.
فبين قتيل (كامارا)، ومصاب (كوني وديارا) وفقا لوسائل إعلام، ومتوارٍ عن الأنظار (غويتا)، أصبح المجلس العسكري في حالة تأثر غير مسبوقة، مما فتح الباب أمام قوى المعارضة، مثل تحالف الإمام محمود ديكو، للمطالبة بـ”استقالة المجلس العسكري” فورا وتشكيل سلطة انتقالية بديلة.
في المقابل، أعلن الإمام محمود ديكو من مقر لجوئه بالجزائر باسم “تحالف القوى من أجل الجمهورية” أن مالي أصبحت “في خطر” بعد سقوط رموز الدولة، داعيا إلى استقالة المجلس العسكري فورا وفتح انتقال مدني شامل.
وتشير التقارير إلى بدء تقارب في المصالح بين المعارضة السياسية التي يقودها ديكو والقوى الميدانية المسلحة، بهدف مشترك وهو إسقاط النظام العسكري وبناء بديل سياسي جديد، مستغلين حالة “الترنح” الأمني وفقدان الثقة في الحليف الروسي الذي بدا عاجزا عن حماية معاقله.

اختبار لتحالف الساحل
وبالإضافة إلى ذلك، يواجه تحالف دول الساحل اختبارا وجوديا هو الأصعب منذ تأسيسه، إذ كشفت الهجمات الأخيرة عن هشاشة التنسيق الدفاعي المشترك بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
ورغم معاهدات الدفاع المتبادل، ساد صمت مطبق من جانب الحليفين (النيجر وبوركينا فاسو) خلال ذروة الهجمات على باماكو وكاتي.
واكتفت أمانة التحالف بإصدار بيان يندد بما وصفه بـ”المؤامرة الوحشية” المدعومة من أعداء تحرير الساحل، دون تقديم دعم عسكري ملموس على الأرض لإنقاذ المركز الثقيل للتحالف في مالي.