يحيى الصوالحة
هذا الخطاب موجه إلى المتأيرنين الأردنيين والفلسطينيين من اليمين الأخونجي واليسار الماجن بكافه أطيافه الذين لم يستنكروا قيام إيران بقصف الأردن والدول الخليجية، تحت شعار أن المعركة ضد إسرائيل والهيمنة الأمريكية هي معركة مقدسة لا يعلو فوقها شيء.
الشوفينية الفلسطينية تجاوزت حدود التعاطف مع القضية الفلسطينية العادلة، لتتحول عند البعض إلى ما يشبه “دينًا جديدًا” له طقوسه ومحرماته وأنبيائه، وأيضًا صكوك غفرانه. لقد أصبح الفلسطينيون يُنظر إليهم على أنهم “شعب الله المختار” عربياً، لديهم مظلوميه عتيقه, متفوقون على باقي الشعوب العربية، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى تصوير أنفسهم كمجموعة من القديسين والأنبياء. لم يعد مسموحًا التفكير أو الموازنة أو حتى التساؤل، إما أن تصفق بلا شروط، أو تُتهم بالخيانة والعداء.
القضية التي كانت رمزًا للحق والعدل، تحولت عند فئة من الناس إلى معيار لتحديد من هو “الطاهر” ومن هو “المدنس”. فجأة، يمكن لأي شخص أو دولة أو حزب أو حتى صانعه محتوى اباحي، بغض النظر عن تاريخه أو سلوكه أو جرائمه أو أخلاقه، أن يُغسل ماضيه بالكامل بمجرد رفع شعار “فلسطين”. وكأننا أمام شعيرة تطهّر تمحو كل ما سبق، وتجعل الإنسان يعود كما ولدته أمه، بل أحيانًا وكأنه لم يولد أصلاً!
الفصائل الفلسطينية: تاريخ من الظلال والتخبط
في سرد الشوفينية الفلسطينية، هناك زوايا أقل تداولًا، تتعلق بأخطاء الفصائل الفلسطينية في الأردن ولبنان، ثم في الكويت واليمن.
خلال أحداث أيلول الأسود في الأردن، قامت فصائل فلسطينية بعمليات مسلحة ضد المدنيين والجيش الأردني ليتحول الشعار الطريق الى القدس يمر عبر عمان! ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا ودمار مدن ومخيمات، في حرب فرضت على الأردنيين تداعياتها الثقيلة.
وفي لبنان وبعد طردهم من الأردن الى لبنان، وخلال الحرب الأهلية اللبنانية وبعد قيام شارون بطردهم الى شمال الليطاني عام 1976 تحول الشعار هذه المرة بأن الطريق الى القدس يمر عبر بيروت! فتورطت الفصائل نفسها في صراعات داخلية، ونهبت مخيمات، وشاركت في مجازر بين اللبنانيين والفلسطينيين، خصوصًا في بيروت وصيدا. ومن بين هذه الأحداث، عملية اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل، التي تبعتها مجازر صبرا وشاتيلا المروعة.
وفي الكويت، خلال الثمانينيات وما تلاها من غزو عراقي عام 1990، تورط بعض الفلسطينيين في صراعات سياسية وعسكرية أثرت على المجتمع الكويتي. أما في اليمن، فظهر حضور بعض الفصائل الفلسطينية في أحداث أمنية وعسكرية محلية زادت من التوترات الإقليمية.
المفارقة أن كل هذه الفظائع تُنسى أو تُغفر في الخطاب العام بمجرد رفع شعار “القضية الفلسطينية”. فجأة يُمحى التاريخ الدموي، وتُغلق أي نافذة للنقد، وكأن القضية تمنح صك براءة جماعيًا لكل تجاوزات الفصائل على مدى عقود، حتى لو كان ضحاياها من الفلسطينيين أنفسهم أو جيرانهم. هذه هي قوة الشوفينية: أنها لا تهتم بالوقائع، بل بالشعارات، وتجعل القضية محورًا يبرر كل شيء ويغطي كل الجروح. بل أصبح المنتسبون لهذه الفصائل وكأنهم طائفة من القديسين والرموز الوطنية، لا يُلامون مهما فعلوا.
حركة أمل وحزب الله: ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية
خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لم تكن العلاقة بين القوى الشيعية والفصائل الفلسطينية مستقرة، بل بلغت ذروتها الدموية في حرب المخيمات، حين خاضت حركة أمل معارك عنيفة ضد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية داخل مخيمات بيروت وصيدا. أسفرت هذه المعارك عن مقتل آلاف الفلسطينيين، تُقدَّر أرقامهم بآلاف الضحايا، معظمهم من المدنيين، بالإضافة إلى حصار وتجويع ودمار واسع.
المفارقة أن هذه الذاكرة الثقيلة تراجعت لاحقًا في الخطاب العام، مع صعود حزب الله وإعلانه العداء لإسرائيل. حينها انقلبت مواقف شريحة واسعة من الرأي العام العربي والفلسطيني، وجرت “إعادة تعريف” الحلفاء والخصوم وفق معيار واحد: من يرفع شعار فلسطين يُمنح القبول، ومن يعارضه يُقصى. هذا يعكس كيف يمكن للشوفينية المرتبطة بالقضية أن تعيد تشكيل الذاكرة والمواقف، حتى تجاه صراعات دامية وقريبة.
سوريا: النظام الفلسطيني والمأساة السورية
لم يكن بشار الأسد بعيدًا عن هذا التناقض؛ النظام الذي قدم نفسه لعقود كـ”قلعة للمقاومة” لم يتردد في توجيه سلاحه نحو الفلسطينيين أنفسهم. خلال الحرب الأهلية السورية، تعرّض مخيم اليرموك، أكبر تجمع فلسطيني في الشتات، لحصار خانق وقصف ودمار واسع، ما أدى إلى مقتل وتهجير آلاف الفلسطينيين.
قبل ذلك، في الحرب الأهلية اللبنانية، لعب النظام السوري دورًا عسكريًا مباشرًا ضد فصائل فلسطينية، خصوصًا خلال محطات مثل حرب المخيمات، حيث كانت العمليات العسكرية السورية قاسية ضد المخيمات الفلسطينية. أما في سوريا، فقد تحول النظام إلى آلة قمع واسعة ضد شعبه، مع مقتل مئات الآلاف وتهجير الملايين، واستخدام الحصار والقصف المكثف وحتى الأسلحة الكيميائية في بعض الهجمات، في واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
رغم ذلك، وبفعل نفس الشوفينية التي تختزل المواقف في شعار “المقاومة”، يتم التغاضي عن كل ذلك، وكأن رفع شعار فلسطين يكفي لإسقاط كل الجرائم، حتى لو كانت ضد الفلسطينيين أنفسهم.
وليس هذا نهج بشار الأسد فقط، بل يمتد إلى عهد والده حافظ الأسد، الذي رفع شعارات “المقاومة” بينما كانت الوقائع على الأرض تسير عكس ذلك. خلال الحرب الأهلية اللبنانية، دخل الجيش السوري إلى لبنان وواجه فصائل فلسطينية في عدة محطات، وبرز دوره في حرب المخيمات بدعم العمليات العسكرية القاسية ضد المخيمات. وفي سوريا، لم يكن الفلسطينيون بمنأى عن القمع، بينما كان السوريون أنفسهم يدفعون الثمن الأكبر.
بلغ القمع ذروته في مواجهة الإخوان المسلمين، خاصة خلال مجزرة حماة التي سُحقت فيها المدينة بعنف هائل، سقط فيها عشرات الآلاف، في رسالة واضحة أن النظام لا يتسامح مع أي معارضة. وعلى الصعيد الإقليمي، شهدت علاقات دمشق توترات وتدخلات مع الأردن والعراق في مراحل مختلفة، ضمن سياسة نفوذ إقليمي معقدة.
ورغم هذا الإرث الثقيل، ظل الخطاب نفسه حاضرًا: فلسطين عنوان كبير يستخدم لتبرير كل شيء. حين تتحول القضية إلى غطاء، يصبح التاريخ قابلًا للمحو، وتُمنح الشرعية لمن يرفع الشعار مهما كانت أفعاله على الأرض، حتى لو طالت الفلسطينيين والسوريين على حد سواء.
إيران: التناقض بين الخطاب والسلوك
في سياق الحديث عن الشوفينية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، تبرز إيران كنموذج تناقضي واضح. منذ سنوات، رفعت طهران شعار “تحرير القدس” وقدمت نفسها كحاملة لواء القضية، لكن سلوكها الميداني في سوريا والعراق واليمن ولبنان يثير تساؤلات جدية.
هناك فصل مظلم قليل الحديث عنه: الفصائل العراقية المرتبطة بإيران وتأثيرها على الفلسطينيين داخل العراق. بعد غزو العراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، تعرض المجتمع الفلسطيني في العراق، الذي كان يتجاوز عشرات الآلاف قبل الغزو، لسلسلة من أعمال العنف والترهيب والقتل والطرد. في بغداد ومدن أخرى، تعرض الفلسطينيون لهجمات متكررة من ميليشيات مسلحة غير حكومية مدعومة إيرانياً، معظمها من فصائل شيعية محلية أو ميليشيات طائفية، اتُهمت باستهدافهم لأنهم فلسطينيون أو لأنهم كانوا يُنظر إليهم كداعمين للنظام السابق، وأحيانًا بسبب توترات طائفية أوسع. تعرضت أحياء فلسطينية لهجمات، وقتل واعتقل عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال، واضطر آلاف آخرون للفرار من العراق بحثًا عن الأمان، تاركين حياتهم وممتلكاتهم خلفهم.
في سوريا، خلال الحرب الأهلية، دعمت إيران النظام بشكل مباشر عبر الحرس الثوري وميليشيات متعددة، مع عمليات عسكرية عنيفة في مناطق ذات غالبية سنية، وامتد تأثيرها إلى مخيمات فلسطينية مثل اليرموك، الذي تعرض لحصار قاس ودمار كبير وسقوط آلاف الضحايا المدنيين الفلسطينيين.
هنا يتجلى التناقض بوضوح: خطاب “تحرير فلسطين” يقابله واقع دموي طال الفلسطينيين أنفسهم. رغم هذه الجرائم، ظل الخطاب الرسمي والإعلامي عند فئة واسعة من العرب يغطيها بشعار “دعم القضية الفلسطينية”، وكأن أي انتهاك يُرتكب ضد الفلسطينيين لا يُحسب طالما أن مرتكبه يرفع شعار فلسطين أو يعلن العداء لإسرائيل.
هذه هي الشوفينية في أبهى صورها: معيار واحد يختزل كل شيء، “هل أنت ضد إسرائيل؟” فإذا كان الجواب نعم، تُمحى كل الأسئلة الأخرى وتُغض الطرف عن كل ما سواها. هذا لا ينفي وجود صراع حقيقي بين إيران وإسرائيل في بعض السياقات، لكنه يسلط الضوء على كيفية توظيف القضية الفلسطينية كغطاء سياسي وأيديولوجي يمنح الشرعية لأي فاعل مهما كانت أفعاله في ساحات أخرى. حين تتحول القضية إلى أداة تمنح البراءة للجميع، لا نكون أمام تضامن، بل أمام شوفينية تعيد ترتيب الأخلاق وفق الشعارات لا الوقائع.
الحوثيون في اليمن: مأساة مستمرة
منذ اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء عام 2014 وإسقاط الحكومة المعترف بها دولياً، حولت هذه الجماعة التي تحصل على دعم سياسي وعسكري من إيران اليمن إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. لم تؤدِ سيطرتهم إلى استقرار، بل إلى حرب مستمرة دمرت الاقتصاد وشرّدت الملايين، وجعلت البلاد على حافة المجاعة مع انهيار الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
الحرب التي أصبحت ساحة لصراع نفوذ إقليمي، تسببت في مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين، واحتياج أكثر من 20 مليون يمني للمساعدة الإنسانية. اقتصاد الدولة تفكك، والعملة انهارت، والسلطة الحقيقية موزعة بين ميليشيات وجماعات، حتى أن اليمن يُصنف عمليًا كدولة فاشلة لا تملك مؤسسات قوية ولا سيادة فعلية على كامل أراضيها. كل هذا الدمار أُعطي في بعض الخطاب ذريعة لتبرير دور الحوثيين باسم “المقاومة”، بينما الواقع هو فقدان الدولة واستمرار المعاناة اليومية للشعب اليمني.
حماس: من حركة مقاومة إلى فصيل مسلح معقد
منذ انطلاقتها في أواخر الثمانينيات على هامش الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لم تكن حماس مجرد فصيل فلسطيني داخلي، بل سرعان ما وجدت لنفسها داعمًا إقليمياً قوياً في إيران، التي بدأت بدعم مادي وتدريبي منذ أوائل التسعينيات، وقدمت لها أموالاً وأسلحة وتدريبًا على القتال كجزء من “محور المقاومة” ضد إسرائيل.
هذا الدعم لم يرتبط فقط بالتهديد الإسرائيلي، بل أعاد تشكيل دور حماس ذاتها. بدلاً من أن تكون جزءًا من مشروع فلسطيني شامل للتفاوض والسياسة، تحولت تدريجيًا إلى فصيل مسلح قائم بذاته يرفض الاتفاقيات السلمية مثل أوسلو، التي حاولت تحقيق حل الدولتين من خلال الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. كانت حماس من أشد المعارضين لهذه العملية، معتبرة إياها خيانة للقضية، مما أدى إلى تجميد المفاوضات وتراجع آمال التسوية السلمية، وضمان استمرار الصراع طويل الأمد.
بعد فوزها في انتخابات 2006 وانقلابها الدموي على فتح في غزة عام 2007، تبنت حماس قرارًا عسكريًا متكررًا بالتصعيد مع إسرائيل، مما قاد إلى حروب متكررة على غزة أعوام 2008، 2009، 2012، 2014، 2021، وصولاً إلى نكبة السابع من أكتوبر 2023. هذا التصعيد المستمر حول القطاع إلى منطقة منكوبة محاصرة، مع تدهور اقتصادي وإنساني هائل لسكانها.
مايا خليفة: نموذج للرموز المصطنعة
حتى شخصيات مثيرة للجدل، لا علاقة لها بالنضال أو التاريخ الفلسطيني، تحولت بين ليلة وضحاها إلى رموز فقط لأنها قالت ما يوافق المزاج العام. كأن دعم القضية أصبح فريضة تُسقط كل ما قبلها، وتمنح صاحبها هالة من القداسة المصطنعة. شخصية مثل مايا خليفة تحولت من صانعه محتوى اباحي الى صاحبه قضيه، فقُبلت توبتها من قبل الكثيرين لمجرد وصفها حماس بـ Freedom Fighters
الشوفينية الفلسطينية: أداة تبييض وتبرير
الأخطر أن هذه الشوفينية فتحت الباب لتبييض مشاريع وسلوكيات لا علاقة لها بفلسطين أصلًا. من يرفع شعار القضية يُمنح حصانة تلقائية: إيران، الميليشيات، وكل من يقدم نفسه كـ”مقاوم”، بغض النظر عما يفعله في بلده أو في بلدان الآخرين. فجأة، يصبح القصف والتدخل والدمار مقبولًا بل ومحتفى به، طالما أنه مغلف باسم القضية.
بل وصل الأمر إلى مستوى عبثي، حيث تتحول الشعارات إلى أدوات استهلاك، أغاني تُغنى في الملاهي، تُرقص عليها الراقصات، بينما في الخطاب العام تُقدّم كرمز للهوية والنضال. هذا التناقض ليس بريئًا، بل دليل على أن القضية عند البعض لم تعد قضية، بل موضة أو بطاقة عبور اجتماعي.
الشوفينية هنا لا تخدم فلسطين، بل تسيء إليها. لأنها تحوّلها من قضية إنسانية عادلة إلى أداة استقطاب، ومن رمز للعدالة إلى معيار زائف للتفوق الأخلاقي. تجعل من الفلسطيني إنسانًا فوق النقد، ومن غيره دائمًا في موقع الاتهام. كأننا أمام قديسين وأنبياء، لا بشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
في النهاية، القضية الفلسطينية وصلت إلى نقطة لم تعد تجمع ولا توحد، بل تفرق وتشتت. لم تعد ترفع مستوى الوعي أو تشجع على التفكير النقدي، بل أصبحت تبريرًا للباطل وتغطية على الخطأ. القضية أكبر من أن تُحصر في شعارات جوفاء، وأشرف من أن تتحول إلى أداة تُستخدم لمحو أخطاء الجميع. اليوم، في خطاب الشوفينية، تحولت القضية إلى دين جديد يمنح البراءة لأي مجرم قديم، ويجعلها وسيلة لتلميع من يبحث عن غطاء سياسي أو أيديولوجي.
وختاما , أنا لا ألوم ولا أتفاجأ من الدول العربية التي اتخذت أو ستتخذ قرارات قريبًا بعدم اعتبار القضية الفلسطينية البوصلة الحقيقية للعرب، لأن هذه البوصلة انحرفت 180 درجة، وأصبحت عبئًا على الجميع بدلاً من أن تكون منارة توجههم.






