بقلم: الباحث في حقوق الانسان
الدكتور هشام محمد المصري
في زوايا الشوارع، وعلى إشارات المرور، وأمام المساجد والأسواق، تتكرر ذات المشاهد: أطفال يمدّون أيديهم، نساء يطلبن العون، وشباب اتخذوا من التسول مهنة يومية. مشهد بات مألوفاً، لكنه في عمقه يطرح سؤالاً كبيراً: من المسؤول عن ظاهرة التسول؟
هل هو الفرد الذي اختار هذا الطريق؟ أم المجتمع الذي لم يحتوِه؟ أم المؤسسات التي لم توفر البدائل؟ أم أننا جميعاً شركاء في صناعة هذه الظاهرة؟
أولاً: الفرد بين الحاجة والاستغلال
لا يمكن إنكار أن بعض حالات التسول نابعة من فقر حقيقي وحاجة ملحّة، حيث يجد الإنسان نفسه عاجزاً عن تأمين أبسط متطلبات الحياة. لكن في المقابل، هناك من حوّل التسول إلى مهنة منظمة، يستغل فيها عاطفة الناس، بل وتدار أحياناً عبر شبكات تستثمر في معاناة الآخرين.
هنا يتحول التسول من حالة إنسانية تستحق الدعم إلى سلوك سلبي يهدد القيم المجتمعية.
ثانياً: المجتمع بين الرحمة والفوضى
المجتمع بطبيعته رحيم، خاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تحث على الصدقة والتكافل. لكن المشكلة ليست في العطاء، بل في العطاء غير المنظم.
فعندما يعطي الناس بشكل عشوائي في الشوارع، فإنهم – دون قصد – يساهمون في:
تشجيع التسول بدل مكافحته
استدامة الظاهرة بدل معالجتها
دعم من لا يستحق أحياناً على حساب المحتاج الحقيقي
الرحمة يجب أن تكون واعية ومنظمة، لا عاطفية فقط.
ثالثاً: المؤسسات… بين الدور والقصور
تقع على عاتق الجهات الرسمية والمؤسسات الاجتماعية مسؤولية كبيرة في:
توفير فرص عمل حقيقية
دعم الأسر المحتاجة بشكل كريم
تأهيل المتسولين ودمجهم في المجتمع
مكافحة شبكات التسول المنظمة
لكن التحدي يكمن في التنفيذ والاستمرارية، وليس فقط في وضع الخطط.
رابعاً: الإعلام… شريك في الحل
الإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو صانع وعي. وعليه دور كبير في:
كشف حقيقة التسول المنظم
توعية الناس بخطورة العطاء العشوائي
تسليط الضوء على قصص النجاح والتحول من التسول إلى العمل
تعزيز ثقافة الكرامة والعمل
خامساً: المسؤولية المشتركة
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن التسول ليس مسؤولية طرف واحد، بل هو مسؤولية مشتركة:
الفرد: أن يختار الكرامة والعمل إن استطاع
المجتمع: أن يعطي بوعي لا بعاطفة فقط
الدولة: أن توفر البدائل وتحارب الظاهرة
الإعلام: أن يوجه ويكشف ويؤثر
خاتمة: نحو مجتمع يحفظ الكرامة
التسول ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو قضية كرامة إنسانية.
والمجتمع القوي ليس الذي يكثر فيه المتسولون، بل الذي يقلّ فيه المحتاجون.
فلنحوّل عطاءنا من الشارع إلى المؤسسات،
ومن العاطفة إلى الوعي،
ومن الشفقة إلى التمكين…
حتى لا نُبقي الإنسان على باب الحاجة، بل نأخذه بيده نحو باب الكرامة.
المصري يكتب: التسول… مسؤولية من؟






