قانون يعاكس العالم: حين يسير التعليم الأردني بعكس اتجاه الإصلاح العالمي

16 فبراير 2026
قانون يعاكس العالم: حين يسير التعليم الأردني بعكس اتجاه الإصلاح العالمي

ا د هاني الضمور

في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لإعادة تعريف التعليم بوصفه فضاءً للحرية، والابتكار، والاستقلال الأكاديمي، يأتي مشروع تعديل قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية في الأردن ليعيد إنتاج نموذج إداري مركزي تجاوزه العالم منذ عقود. فبدلاً من الانحياز إلى روح الإصلاح التربوي العالمي، ينحاز المشروع إلى عقلية السيطرة والتنظيم الصارم، وكأن التعليم خطر يجب ضبطه لا طاقة وطنية يجب تحريرها.

عالمياً، لم تعد الأنظمة التعليمية المتقدمة تؤمن بأن التعليم يُدار من المكاتب المغلقة أو عبر تعليمات تصدر من قمة الهرم الإداري. التجارب الدولية الأنجح، من فنلندا إلى كندا، قامت على تقليص تدخل السلطة التنفيذية في تفاصيل العملية التعليمية، ومنح المدارس والجامعات والمعلمين مساحة واسعة لاتخاذ القرار، والابتكار، والتجريب. أما مشروع القانون الأردني، فيسير في الاتجاه المعاكس تماماً، حيث يُغرق النظام التعليمي بسلسلة من الصلاحيات الواسعة والتعليمات المفتوحة التي تجعل مستقبل التعليم مرهوناً بإرادة إدارية لا برؤية تربوية.

الأخطر من ذلك أن المشروع يضعف مبدأ الاستقلال الأكاديمي الذي تُجمع عليه المواثيق الدولية بوصفه شرطاً أساسياً لجودة التعليم. فالجامعات في العالم لا تُقاس اليوم بعدد طلبتها فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة بحرية، وباستقلالها عن التدخلات السياسية والإدارية. وعندما تصبح المناهج، والبرامج، وحتى القرارات الأكاديمية، خاضعة لمزاج التعليمات التنفيذية، فإن سمعة التعليم الأردني عالمياً تصبح على المحك، وقدرته على المنافسة والشراكة الدولية تصبح محدودة ومهزوزة.

ومن منظور عالمي أيضاً، يكشف المشروع عن انحياز واضح لمنطق السوق على حساب الرسالة الإنسانية للتعليم. صحيح أن ربط التعليم بسوق العمل بات ضرورة، لكن التجارب الدولية تحذر من تحويل التعليم إلى مجرد مصنع للمهارات السريعة. فالدول التي اختزلت التعليم في بعده الاقتصادي فقط دفعت ثمناً باهظاً، تمثل في تراجع التفكير النقدي، وضعف الوعي المدني، وازدياد الهشاشة الاجتماعية. والتعليم، في جوهره، ليس عقد عمل مؤجلاً، بل عملية بناء إنسان ومواطن.

كما أن المشروع، في سياقه الحالي، يهدد بتعميق الفجوة التعليمية، وهي واحدة من أخطر القضايا التي تحاربها المنظمات الدولية اليوم. التوسع غير المنضبط في التعليم الخاص والبرامج الخاصة، مع ضعف الضمانات الحقيقية لتكافؤ الفرص، يفتح الباب أمام نظام تعليمي طبقي، حيث يحصل الميسورون على تعليم نوعي، بينما يُترك التعليم الحكومي ليواجه أزماته منفرداً. وهذا النموذج فشل عالمياً، وخلّف مجتمعات منقسمة تعليمياً واجتماعياً.

ولا يمكن إغفال موقع المعلم في هذه المعادلة. ففي الدول التي حققت قفزات تعليمية حقيقية، كان المعلم في قلب القرار، لا على هامشه. أما في مشروع القانون، فيظهر المعلم كموظف خاضع للرقابة أكثر من كونه شريكاً في الإصلاح. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع التوجه العالمي الذي يرى أن أي إصلاح تعليمي يبدأ من تمكين المعلم، لا من تقييده.

إن أخطر ما في مشروع القانون ليس مادة بعينها، بل الفلسفة التي تحكمه. فلسفة ترى في التعليم ملفاً إدارياً لا مشروعاً وطنياً، وفي المدرسة مؤسسة تنفيذ لا مختبراً للأفكار، وفي الطالب رقماً لا إنساناً قادراً على التفكير والاختلاف. ومن هنا، فإن استمرار السير بهذا الاتجاه لا يعني فقط تعثّر الإصلاح، بل يعني عزل التعليم الأردني عن المسار العالمي، ودفعه إلى هامش المنافسة الدولية.

التعليم لا يُصلَح بالقوانين وحدها، بل بالرؤية. وإذا لم يُعاد النظر في هذا المشروع بما ينسجم مع روح العصر، ومع المبادئ العالمية للحرية الأكاديمية والعدالة التعليمية، فإننا لا نكون أمام قانون إصلاح، بل أمام وثيقة تُقنّن الأزمة وتمنحها غطاءً تشريعياً .