د. محمد الهواوشة يكتب: ذباحة الدول: سردية حضور بني حميدة في التاريخ الأردني

3 ساعات ago
د. محمد الهواوشة يكتب: ذباحة الدول: سردية حضور بني حميدة في التاريخ الأردني

بقلم د. محمد الهواوشة :
لسنا اسما عابرا في كتب الانساب، ولسنا رقما في سجل القبائل. نحن بني حميدة، حضور ممتد من مأدبا إلى ذيبان، ومن الكرك إلى الطفيلة، روح سكنت جبال الشراة ووهاد الموجب، وكتبت اسمها في صخر الأرض قبل أن يُكتب بالحبر.
أرضنا لم تكن مجرد جغرافيا، بل مدرسة صلابة، صنعت رجالا إذا اشتد الخطب اشتدوا، وإذا دُعي الموقف لبوا. هناك تشكلت هويتنا، بين الجبل والوادي، بين السيف والكلمة، بين الكرامة والعهد.
حين اشتد بطش الحكم العثماني، وارتفعت الضرائب حتى ضاقت الصدور، وحاولت السلطة كسر إرادة الناس بالقهر والتجنيد، لم ننحن. وقفنا كما تقف الجبال، صلبين لا نلين، مؤمنين أن الكرامة ليست كلمة تُقال، بل ميثاق نحمله ولو كان الثمن الدم.
في تلك المرحلة برزت قوة بني حميدة في أسمائنا الشعبية، ولقبونا “ذباحة الدول”، لما عرف عن فرساننا من صلابة وشجاعة. حين قامت الثورة على العثمانيين، قاتلنا بكل بسالة، وواجهنا القوات الغازية بكل عزيمة، فوقع أكثر من مئتي جندي من الأتراك قتلى أمام صمودنا وصمود عشائرنا. لم يكن القتال عبثا، بل دفاعا عن الأرض والعرض والكرامة.
وعندما اندلعت ثورة الكرك عام 1910، كنا في الصفوف الأولى. لم نكن متفرجين على التاريخ، بل صناعته. كانت تلك اللحظة فاصلا بين زمن الخضوع وزمن الوعي الوطني، الذي تجلى لاحقا في الثورة العربية الكبرى، فحول روح المقاومة المحلية إلى مشروع تحرر أوسع ومهد الطريق لقيام الدولة الأردنية.
انتقلنا من مقاومة الظلم إلى المشاركة في البناء، من حماية المضارب إلى حماية الحدود، ومن صوت البادية إلى صوت الوطن. دخل أبناؤنا الجيش العربي، وحملوا البندقية دفاعا عن الوطن كما حملها آباؤنا دفاعا عن الكرامة. شاركنا في الإدارة والتعليم والحياة العامة، فصار حضورنا في الدولة امتدادا طبيعيا لحضورنا في الأرض.
ولم تسجل كتب الرحالة عنّا القوة فقط، بل سجلت الكرم الذي لا ينتظر مقابلا، والنخوة التي تسبق السؤال. بيوت لا تملك قوت يومها لكنها ترفض أن تأخذ ثمنا للضيافة، وشيوخ يخفون جراحهم حتى لا يفسدوا على الضيف حقه. تلك ليست روايات مبالغة، بل شهادة على معدن لا يصدأ.
ولم يتوقف حضورنا عند تأسيس الدولة. فعندما نادى الواجب دفاعا عن فلسطين، كنا في صفوف الجيش العربي الأردني، نحمل البندقية كما حملها آباؤنا دفاعا عن الكرامة. امتزجت دماؤنا بتراب فلسطين، وكتب رجالنا فصولا من التضحية إلى جانب رفاقهم من كل عشائر الأردن، تحت راية واحدة وقيادة واحدة.
وفي معركة الكرامة عام 1968، حين حاول العدو كسر هيبة الأردن، كان أبناء بني حميدة ضمن صفوف الجيش العربي، يقاتلون بثبات وشجاعة. لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة إرادة. وقف الجنود الأردنيون صفا واحدا، وردوا العدوان، وأثبتوا أن الأردن لا ينكسر.
تلك اللحظة أعادت تثبيت المعادلة التي عرفناها منذ البداية: نحن لا نحمل السلاح اعتداء، بل دفاعا عن وطن وأمة وكرامة. وهكذا امتدت سرديتنا من جبال الكرك ووهاد الموجب، إلى أسوار القدس وأرض الغور. امتدت من مقاومة الظلم في الداخل، إلى الوقوف في وجه العدو على الحدود. لم يتغير المبدأ، تغيرت الساحات فقط.
نحن بني حميدة، ذباحة الدول. في الثورة كنا حاضرين، وفي الدولة كنا شركاء، وفي ميادين الشرف كنا جنودا. تاريخنا ليس قصة أمس فقط، بل عهد مستمر مع الأردن، أن يبقى عزيزا، منيعا، مرفوع الرأس.
من مأدبا إلى الطفيلة، من الجبل إلى الوادي، نحن جذور في هذه الأرض. جذور عميقة يعرفها القاصي والداني، يعرفون أن بني حميدة إذا قالوا فعلوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا دعوا للوطن لبوا. هذه ليست مجرد سردية قبيلة، هذه قطعة من روح الأردن… وروحنا فيه.