الأستاذ محمد الزعبي … سيرة أردنيّ من معدن المواقف

19 ثانية ago
الأستاذ محمد الزعبي … سيرة أردنيّ من معدن المواقف

وطنا اليوم _

كتب: ليث الفراية

هناك رجال لا يمكن اختصارهم بجملة، ولا تعريفهم بسطر، لأنهم لا يعيشون في العناوين، بل في التفاصيل الصامتة التي لا يراها إلا من يملك حسّ الإصغاء ورجل الأعمال محمد الزعبي واحد من أولئك الذين لا يدخلون الذاكرة عبر الضجيج، بل عبر الإحساس العميق بأن هذا الرجل موجود حيث يجب أن يكون، ويفعل ما يجب أن يُفعل، حتى لو لم يصفّق له أحد فهو من أولئك الذين حين يغيبون لا يُفتقد صوتهم، بل يُفتقد توازن المشهد كله.

لسنا أمام شخصية تبحث عن الاعتراف، ولا أمام رجل يهوى تقديم نفسه بوصفه نموذجًا، بل أمام إنسان قرر، في لحظة ما، أن يعيش وفق مبدأ بسيط لكنه ثقيل أن القدرة مسؤولية، وأن الصمت أمام الخلل نوع من المشاركة فيه، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يتحمله حين يصبح الحمل ثقيلاً وهذا المبدأ لم يكن شعارًا عابرًا في حياته، بل مسارًا يوميًا اختبره في الفعل قبل القول.

محمد الزعبي لا يتعامل مع المجتمع بوصفه إطارًا خارجيًا، بل بوصفه امتدادًا لذاته لا يرى المكان مجرد رقعة جغرافية، بل ذاكرة حية، ولا يرى الناس مجرد محيط، بل شركاء في المصير لذلك، لا يفصل بين مصلحته الخاصة والمصلحة العامة، ولا يرى في نجاحه الشخصي قيمة إن لم ينعكس على محيطه فهذه النظرة جعلت حضوره طبيعيًا، غير مفتعل، وغير متناقض مع ذاته.

من هنا، جاءت مواقفه غير قابلة للفصل عن شخصيته، وجاء فعله سابقًا على الكلام، وجاء حضوره هادئًا إلى حدّ أن البعض قد لا ينتبه إليه، لكنه حين يُنتبه، يُدرك أن ما فاته لم يكن تفصيلاً فالصمت هنا ليس غيابًا، بل امتلاءً، والهدوء ليس ضعفًا، بل ثقة لا تحتاج إلى إثبات.

في فلسفة محمد الزعبي، لا توجد فكرة “ليس دوري”، ولا مساحة للاختباء خلف الأعذار الجاهزة فهناك فقط سؤال داخلي يتكرر بصيغة واحدة: ماذا يجب أن أفعل حين أرى الخطأ؟ وهذا السؤال، حين يُطرح بصدق، لا يترك لصاحبه رفاهية التراجع أو المراوغة إنه سؤال يضع الإنسان أمام مرآته دون مجاملات.

ومن هذا السؤال تحديدًا، يمكن فهم مبادرته بإنشاء مجمع نفايات متكامل على نفقته الخاصة، لا بوصفها فعلًا خيريًا تقليديًا، بل بوصفها قرارًا أخلاقيًا وفلسفيًا عميقًا. فالبيئة، في نظره، ليست ملفًا ثانويًا ولا قضية مؤجلة، بل امتحان حقيقي لمدى احترام الإنسان لذاته ولمجتمعه ولمستقبل أبنائه.

لقد رأى أن تراكم النفايات ليس مجرد مشكلة خدمية، بل علامة على خلل أعمق في الوعي العام، وعلى استسهال ترك الأذى يتراكم بحجة أن المسؤولية تقع على غيرنا وهنا تحديدًا، قرر محمد الزعبي أن يكسر هذا المنطق، وأن يتحمّل العبء كاملًا، دون تجزئة، ودون انتظار دور أو توجيه.

إن إنشاء مجمع نفايات متكامل على نفقته الخاصة لم يكن قرارًا سهلًا، ولا خطوة عابرة، بل التزامًا طويل الأمد، وكلفة مالية ومعنوية، واختيارًا واعيًا لتحمّل مسؤولية كان يمكن له ببساطة أن يتجاهلها لكنه لم يفعل، لأنه يرى أن من يملك القدرة على الحل ولا يتحرك، يصبح جزءًا من المشكلة مهما كانت نواياه.

هذا المجمع لم يكن إسمنتًا وحديدًا فحسب، بل موقفًا واضحًا يقول إن حماية البيئة ليست ترفًا، وإن النظافة ليست تفصيلًا جماليًا، بل كرامة إنسانية وصحة عامة وحق للأجيال القادمة لقد شكّل هذا الفعل رسالة صامتة أقوى من ألف خطاب، وأثبت أن المبادرة الفردية قادرة على إحداث فرق حقيقي حين تقترن بالوعي والصدق.

بهذا القرار، لم يكتفِ محمد الزعبي بمعالجة مشكلة قائمة، بل أعاد طرح سؤال أخلاقي كبير على المجتمع كله ماذا لو قرر كل قادر أن يتحمّل مسؤوليته؟ ماذا لو لم ننتظر دائمًا منقذًا خارجيًا؟ ماذا لو أدركنا أن المجتمعات تُبنى حين يتقدّم الأفراد خطوة إلى الأمام بدل الوقوف في صف المتفرجين؟

ما يميّز محمد الزعبي أنه لا ينظر إلى ما فعله بوصفه إنجازًا استثنائيًا، بل بوصفه أمرًا طبيعيًا كان يجب أن يحدث وهذه النقطة بالذات هي جوهر الاختلاف، لأن تحويل الفعل الصحيح إلى سلوك اعتيادي هو أعلى درجات الوعي الأخلاقي، وهو ما نفتقده كثيرًا في مشهدنا العام.

في تعامله الإنساني، لا يحمل نبرة الفوقية، ولا يمارس دور المتفضّل، بل يتعامل مع الناس بصفته واحدًا منهم، يفهم مخاوفهم، ويحترم يومياتهم، ويقدّر تعبهم حيث أن حضوره الإنساني لا يقوم على الاستعراض، بل على الاحترام المتبادل، وهذا ما يجعل علاقته بالناس علاقة ثقة لا مصلحة.

إن القيمة الحقيقية لمحمد الزعبي لا تكمن فقط فيما أنجزه، بل فيما يمثّله فهو نموذج لرجل يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين المال والمسؤولية، بين القدرة والواجب حيث نموذج يقول إن الرجولة ليست صخبًا، وإن الوطنية ليست خطابًا، وإن الأخلاق ليست مادة للعرض بل ممارسة صامتة.

في زمن ازدحمت فيه الساحة بالأسماء، وقلّت فيه الأفعال، يبرز محمد الزعبي كدليل حيّ على أن الخير ما زال ممكنًا، وأن الضمير لم ينقرض، وأن هناك من يختار الطريق الأصعب لأنه الطريق الصحيح فهو لا يقف في مقدمة الصفوف، لكنه يثبّت الأساس الذي يقف عليه الآخرون.

هذا النص لا يُكتب للاحتفاء، بل للتوثيق، ولا يُسطر للمدح، بل للمعنى لأن محمد الزعبي لا يحتاج إلى شهادة، لكن المجتمع يحتاج إلى أن يرى أمثاله، وأن يتذكّر أن البناء الحقيقي يبدأ حين يقرر شخص واحد أن لا يشيح بوجهه عن الخطأ.

وفي النهاية، يبقى محمد الزعبي واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يغيّرون العالم دفعة واحدة، لكنهم يغيّرون اتجاهه، خطوة صامتة بعد أخرى، حتى يصبح الصمت فعلًا، ويصبح الفعل ذاكرة، وتصبح الذاكرة درسًا لمن يريد أن يفهم كيف يُصنع الأثر الحقيقي.