بقلم: المحامي حسين أحمد عطا الله الضمور
في زمنٍ غريبٍ من أعمار الأمم، لم يعد الصدق هو معيار القبول، ولا الحقيقة جواز المرور إلى العقول. أصبح للكذب المنمّق سطوة، وللادّعاء المرتّب هيبة، بينما يُزاح الصدق جانبًا لأنه لم يُقدَّم في عبوة أنيقة، ولم يُختم بـ“ليبل الجودة”.
نحن لا نكذب فقط… بل نُكافئ الكذب إن أحسن الإخراج.
نُصفّق للحجة الكاذبة لأنها جاءت بسردٍ ناعم، وبنبرة واثقة، وبترتيب يُرضي الذائقة، لا العقل. وفي المقابل، نقسو على الصدق لأنه جاء صريحًا، عاريًا من المجاملة، صادمًا أحيانًا، وغير قابل للتسويق.
المشكلة لم تعد في الكذب ذاته، بل في ذائقتنا التي فسدت.
أصبحنا نُحب ما يُقال بطريقة جميلة، لا ما يجب أن يُقال. نبحث عن الراحة لا عن الحقيقة، وعن الطمأنينة الزائفة لا عن الصواب. فالكذب لا يُرهقنا بالتفكير، ولا يُحمّلنا مسؤولية الموقف، بينما الصدق يطالبنا بالاختيار، وبالتغيير، وأحيانًا بالمواجهة.
نُعامل الحجة الكاذبة معاملة الصدق لأننا اعتدنا أن نرى الشكل قبل الجوهر، والصوت قبل المضمون، والعنوان العريض قبل المحتوى. اعتدنا أن نُسلّم عقولنا لمن يُتقن العرض، لا لمن يملك الحقيقة. وهنا تكمن الكارثة؛ حين يصبح الإخراج بديلاً عن القيم، والبلاغة ستارًا للتضليل.
الصدق لا يعرف التجميل، ولا يُجيد الانحناء.
هو ثقيل على من اعتاد الخفة، ومزعج لمن بنى راحته على الوهم. لذلك يُتَّهَم، ويُهمَّش، ويُوصَف بأنه “غير مناسب”، فقط لأنه لم يُراعِ مشاعر الزيف السائدة.
لكن الحقيقة، مهما بدت فوضوية، تملك عمرًا أطول من كل كذبة منمّقة.
والكذب، مهما ارتدى من أناقة، يسقط عند أول اختبار جدي.
ويبقى السؤال المؤلم:
هل نحتاج إلى كذبة جميلة لنطمئن، أم إلى صدقٍ موجع
عندما نُزيِّن الكذب… ونُحاكم الصدق






