وطنا اليوم- خاص- في كل مرة تشتد فيها الظروف الجوية، لا يكون الامتحان للمطر وحده، بل للإدارة، والجاهزية، وقدرة المؤسسات على تحويل الطوارئ إلى فعل منظم، يحمي الناس قبل أن يبرر التقصير وخلال المنخفضات الجوية الأخيرة، برزت وزارة الإدارة المحلية كنموذجٍ لوزارة اختارت أن تكون في قلب الحدث، لا على هامشه، وفي الميدان لا خلف المكاتب.
ما جرى لم يكن مجرد استجابة تقليدية، بل إدارة مشهد معقد بتفاصيله طرق تُغلق، وبلديات تُستنزف، وكوادر تعمل لساعات طويلة، وغرف عمليات بقيت مفتوحة بلا انقطاع حيث في هذا المشهد، ظهر بوضوح أن هناك عقلًا إداريًا يقود، لا يراقب من بعيد، وأن التنسيق لم يكن ارتجاليًا، بل مبنيًا على فهم حقيقي لطبيعة الأرض والناس والاحتياجات.
اللافت في أداء الوزارة، أن الجاهزية لم تبدأ مع أول قطرة مطر، بل سبقتها قراءة مبكرة للمشهد، وتواصل مباشر مع البلديات، ومتابعة لحظة بلحظة فهذا النوع من العمل لا تصنعه الصدفة، بل تصنعه قيادة تؤمن أن الإدارة المحلية هي خط الدفاع الأول عن المواطن في الأزمات، وليست جهة خدماتية هامشية.
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض الجهات تكتفي بالتصريحات، كانت فرق البلديات، بإسناد مباشر من الوزارة، تعمل على فتح الطرق، وتصريف المياه، ومعالجة النقاط الساخنة، وحماية الممتلكات العامة والخاصة فهذا الجهد التراكمي أعاد الاعتبار لفكرة أن الدولة تُقاس بأدائها في اللحظات الصعبة، لا في الأيام الهادئة.
ولا يمكن الحديث عن هذا الأداء دون التوقف عند الروح القيادية التي انعكست على تفاصيل العمل فحين تكون القرارات واضحة، وسلسلة الاتصال مفتوحة، وتُمنح الثقة للكادر الميداني، يتحول الضغط إلى إنجاز وهنا بدت الوزارة وكأنها فريق واحد، من أعلى الهرم إلى أصغر بلدية، يعمل بذات الإيقاع، وذات الهدف.
لقد عكست إدارة الملف خلال الظروف الجوية عقلية هندسية تنظيمية، تدرك أن التخطيط لا يقل أهمية عن التنفيذ، وأن سرعة القرار قد تمنع كارثة، وأن المتابعة المستمرة هي صمام الأمان وهذا النهج لم يكن خفيًا على الميدان، بل لمسَه المواطن قبل المسؤول، ورآه في سرعة الاستجابة وانخفاض حجم الأضرار مقارنة بشدة الحالة الجوية.
وفي عمق هذا المشهد، برز الدور القيادي لمعالي وزير الإدارة المحلية، المهندس وليد المصري، من خلال أسلوب إدارة هادئ، غير استعراضي، يعتمد على المتابعة الدقيقة والتفويض المدروس، وترك مساحة للفريق التنفيذي ليعمل بثقة ومسؤولية حيث قيادة لا تبحث عن الأضواء، بل عن النتائج، ولا تتحدث كثيرًا بقدر ما تُنجز.
كما لا يمكن إغفال الحضور الإداري الفاعل للدكتور بكر الرحامنة، الأمين العام بالوكالة، الذي بدا واضحًا في ضبط الإيقاع التنفيذي، وإدارة التنسيق بين البلديات والوزارة، ومتابعة التفاصيل التي لا تظهر في الإعلام، لكنها تصنع الفرق على الأرض فهذا النوع من العمل الإداري الصامت هو ما تحتاجه الدولة في لحظات الطوارئ.
إن ما قدمته وزارة الإدارة المحلية خلال الظروف الجوية الأخيرة، لم يكن مجرد أداء واجب، بل رسالة واضحة بأن الإدارة المحلية ليست الحلقة الأضعف كما يُشاع أحيانًا، بل يمكن أن تكون العمود الفقري للاستجابة الوطنية إذا ما توفرت القيادة، والرؤية، والثقة بالكادر.
الأهم من كل ذلك، أن هذا الأداء أعاد جزءًا من ثقة الناس بمؤسساتهم، حين رأوا أن هناك من يعمل قبل أن يشرح، ومن ينزل إلى الميدان قبل أن يبرر، ومن يعتبر سلامة المواطن أولوية لا بندًا في تقرير.
في المحصلة، ما جرى خلال الظروف الجوية الأخيرة لم يكن حدثًا عابرًا ولا اختبارًا موسميًا، بل لحظة كاشفة لجوهر الإدارة حين تُوضع تحت الضغط حيث هناك فرق واضح بين مؤسسات تنتظر تراجع العاصفة لتبرير التقصير، وأخرى تختار أن تكون في قلب الميدان وتتحمّل كلفة القرار. وزارة الإدارة المحلية انحازت للفعل، وقدّمت نموذجًا عمليًا لكيف تُدار المسؤولية العامة حين تكون موجهة للناس لا للصورة، وللنتائج لا للخطاب.
هذا الأداء لا يُقاس بعدد البيانات ولا بحجم التصريحات، بل بما استقرّ على الأرض، وبما أُنجز بهدوء، وبما شعر به المواطن وهو يرى دولته حاضرة حين احتاجها فعلًا وهنا تُكتب القيمة الحقيقية لأي مؤسسة في قدرتها على العمل بصمت، وعلى تحويل الامتحان إلى شهادة كفاءة، وعلى ترسيخ قناعة بأن الإدارة حين تُدار بعقل الدولة، تكون قادرة على حماية الناس، لا الاكتفاء بالحديث عنهم.






