بقلم ابراهيم احمد السيوف
حين تتحرك الولايات المتحدة نحو فنزويلا لا يحتاج العالم إلى صافرات إنذار بقدر حاجته إلى قراءة ما بين السطور فالهجوم هنا لا يبدأ بصاروخ ولا ينتهي باتفاق بل يبدأ بخطاب أخلاقي أنيق وينتهي بحسابات باردة على طاولة المصالح
البيانات تتحدث عن الحرية وحقوق الإنسان بينما الخرائط تهمس بأسماء الحقول والطرق البحرية والعقوبات تظهر بوجه الدواء المر الذي يقال إنه للشفاء لكنه ينهك الجسد أكثر مما يعالج المرض إنها كوميديا سوداء مكتملة العناصر خطاب ناعم ويد قاسية وابتسامة دبلوماسية لا ترتعش
فنزويلا لم تصبح فجأة ملفا إنسانيا طارئا بل أصبحت عقدة مصالح مزمنة دولة تجلس فوق ثروة هائلة وتحاول أن تتحرك خارج مسار الطاعة المعتاد وفي منطق النظام الدولي هذا خروج مكلف فالسيادة حين لا تكون منسجمة مع السوق تتحول إلى مشكلة عالمية والديمقراطية حين لا تخدم التوازن تُعاد صياغتها في البيانات
الهجوم الحديث لا يحتاج إلى قصف مباشر يكفي حصار مالي وتجفيف موارد وعزل سياسي ثم انتظار الانهاك الداخلي إنها حرب صامتة دقيقة تُدار بالأرقام لا بالمدافع وحين يتعب المجتمع يُقال للعالم انظروا لقد فشلوا وحدهم هنا تبلغ السخرية ذروتها لأن المفتاح كان دائما في يد من يشرح الفشل
خطاب صمود مرتفع وشاشات ممتلئة بالشعارات وحياة يومية مثقلة بالطوابير والانكماش المواطن يتحول إلى بند في معادلة أكبر منه يدفع الثمن بينما تتصارع الروايات هذه ليست إدانة لطرف بقدر ما هي قراءة لفاتورة تُدفع من جيب الناس لا من خزائن القرار
يقال لا نعاقب الشعوب ثم تُقاس العقوبات بمدى ضغطها على الشارع
يقال لا نبحث عن النفط ثم يتوقف السرد عنده طويلا
يقال لا نتدخل ثم تُدار التفاصيل من بعيد
ضحكٌ لا يطلب ابتسامة لأنه يعرف أن السياسة حين تتأنق تصبح أخطر
القضية ليست فنزويلا وحدها بل رسالة عامة لكل من يفكر بالاستقلال أكثر مما يسمح به ميزان القوة الاختلاف مراقب والخروج عن النص مكلف والدرس يُلقن بهدوء حتى لا يزعج الضمير العالمي
هذا ليس دفاعا خالصا عن الديمقراطية ولا شرا مطلقا بل منطق قوة يرتدي قناع القيم في عالم تُدار فيه الأخلاق بقدر ما تخدم المصالح من يفهم ذلك لا يصفق ولا يشتم بل يقرأ بهدوء ويبتسم بسخرية واعية لأن السياسة الدولية ليست رواية فضيلة بل مسرح حسابات والضحايا غالبا خارج الكادر
حين نرى فنزويلا اليوم لا نرى خبرا عاجلا بل مرآة لنظام عالمي يعرف كيف يتكلم جميلا ويضغط بقسوة ومن يدرك هذه القاعدة لا يقع في فخ الشعارات بل يصنع وعيا لا يُستدرج ولا يُستعمل.






