الغارديان: قادة أوروبا حائرون أمام نظام عالمي جديد بعد الهجوم على فنزويلا

5 يناير 2026
الغارديان: قادة أوروبا حائرون أمام نظام عالمي جديد بعد الهجوم على فنزويلا

وطنا اليوم:يرى باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي في الغارديان، أن القادة الأوروبيين بدوا منقسمين وحائرين بين الترحيب بسقوط مادورو والتمسك بالقانون الدولي الذي لا يبرر نهج ترامب في اعتقاله وطرح “إدارة أمريكية” لفنزويلا. ويخلص إلى أن المشهد يعكس انزياحاً نحو نظام عالمي جديد تُحسم فيه الأزمات بمنطق القوة والمصلحة أكثر من قواعد الشرعية الدولية.
بدا القادة الأوروبيون منقسمين ومترددين وهم يحاولون الترحيب بإزاحة الرئيس الفنزويلي السلطوي نيكولاس مادورو، مع التمسك في الوقت نفسه بمبادئ القانون الدولي التي لا تبدو، في نظرهم، مبيحة لما أقدم عليه دونالد ترامب من اعتقال مادورو، ناهيك عن إعلانه أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا والسيطرة على قطاعها النفطي.
وحاولت أوروبا التركيز على مبدأ الانتقال الديمقراطي، مذكّرة بأنها لم تعترف بمادورو رئيساً شرعياً لفنزويلا منذ الانتخابات التي جرت في يونيو/حزيران 2024، والتي اعتُبرت على نطاق واسع مزوّرة. غير أن رفض ترامب للزعيمة المعارضة الحائزة على جائزة نوبل، ماريا كورينا ماتشادو، وضع القادة الأوروبيين في موقف حرج، إذ قال ترامب إنها لا تحظى بدعم أو احترام داخل فنزويلا، بينما تبنّتها أوروبا بوصفها قائدة معارضة تستحق الوصول إلى السلطة.
ويرى خبراء في القانون الدولي أن رفض الولايات المتحدة الاعتراف بشرعية مادورو يفتح الباب أمام واشنطن للقول إنه لا يتمتع بالحصانة السيادية كرئيس دولة أمام المحاكم الأمريكية، على غرار ما حدث حين سُمح للولايات المتحدة بمحاكمة الرئيس البنمي السابق مانويل نورييغا بعد اعتقاله عام 1989.
في المقابل، برر مسؤولون أمريكيون العملية ضد فنزويلا بدعوى الدفاع عن النفس، متهمين الحكومة بالتورط في الاتجار بالمخدرات. إلا أن أونا هاثاواي، أستاذة القانون الدولي في جامعة ييل، قالت إنها لا ترى أي مبرر معقول لاستخدام القوة وفق ميثاق الأمم المتحدة. وأضافت: «إذا أصبح تهريب المخدرات مبرراً للهجوم على دولة أخرى، فإن ذلك يفتح الباب أمام حجج لا حصر لها تجعل من الدفاع عن النفس قاعدة جديدة لا استثناءً». واعتبرت أن ما جرى يمثل خرقاً غير مسبوق للقانون الدولي.
وفي مؤشر على حرج الموقف الأوروبي، حاول رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، وبلاده عضو غير دائم في مجلس الأمن، طيّ النقاش حول أساليب ترامب، معتبراً أن مادورو ترأس «ديكتاتورية قمعية» جلبت معاناة لا توصف للفنزويليين، وأن سقوط نظامه يفتح باب الأمل، مضيفاً: «ليس هذا وقت التعليق على قانونية الإجراءات الأخيرة».
أما الحلفاء الأيديولوجيون الأقرب إلى ترامب في أوروبا، مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، فاعتبروا العملية الأمريكية «تدخلاً دفاعياً مشروعاً». في المقابل، بدا أن انتقادات أطراف أخرى جاءت خافتة خشية إثارة غضب ترامب، في وقت لا يزال فيه دعمه لأوكرانيا بالغ الأهمية. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن الاتحاد أكد مراراً افتقار مادورو للشرعية ودعمه انتقالاً سلمياً، مشددة على ضرورة احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة في جميع الأحوال.
من جهتها، ركزت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على المرحلة المقبلة، معلنة تضامنها مع الشعب الفنزويلي ودعمها انتقالاً سلمياً وديمقراطياً يحترم القانون الدولي. أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فآثر الحذر، قائلاً إن التقييم القانوني للتدخل الأمريكي “معقّد ويتطلب دراسة متأنية”.
وسارت فرنسا على النهج ذاته، إذ وصف الرئيس إيمانويل ماكرون نهاية «ديكتاتورية مادورو» بأنها أمر يبعث على الفرح، داعياً إلى انتقال سلمي وديمقراطي بقيادة مرشح المعارضة إدْمُوندو غونزاليس أوروتيا، من دون الإشارة صراحة إلى العملية العسكرية الأمريكية، مع إبدائه تضامناً عبر الاتصال بماتشادو.
وكان أوضح المنتقدين وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، الذي قال إن اعتقال مادورو «ينتهك مبدأ عدم استخدام القوة الذي يقوم عليه القانون الدولي»، مؤكداً أن الحلول السياسية الدائمة لا يمكن فرضها من الخارج، وأن الشعوب وحدها تقرر مصيرها، محذراً من أن انتهاك هذا المبدأ من قبل دول كبرى ستكون له عواقب خطيرة على الأمن العالمي.
أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فلم يُبدِ أسفاً على رحيل مادورو، وأشار إلى أهمية القانون الدولي، من دون الخوض في كيفية تطبيقه على هذه الحالة تحديداً.
ويرى المدافعون عن القانون الدولي أنهم باتوا يستندون إلى نظام عالمي آخذ في التلاشي، حيث تشكل فنزويلا أحدث إضافة إلى «مقبرة» مكتظة. فقد رسّخت خطوات ترامب نظاماً جديداً تحكمه المصالح العارية لقوتين أو ثلاث قوى عظمى، في عالم تقرر فيه واشنطن وبكين وفق قاعدة أن القوة هي الحق.
وفي هذا السياق، هدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صراحة بأن الدور قد يأتي على كوبا، قائلاً إن نظامها «كارثة» يديرها «رجال عاجزون ومسنّون»، مضيفاً: “لو كنت مكانهم لشعرت بالقلق”.
وفي ختام المطاف، دعا محللون أنصار التعددية والمحاكم الدولية إلى مراجعة إخفاقاتهم. وقال نزار الفقيه، الزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي، إن التعددية فشلت في إنتاج مسار تفاوضي فعّال يفضي إلى انتقال سلمي ومنظم، رغم سنوات من نداءات ملايين الفنزويليين. كما أشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية، رغم فتحها تحقيقاً منذ عام 2021، لم تصدر أي لائحة اتهام، على الرغم من الكم الكبير من الأدلة على جرائم ضد الإنسانية.