من جماليات البيان القرآني .. أهي سِقايةٌ أم صُواعُ المَلِك في سورةِ يوسف

دقيقة واحدة ago
من جماليات البيان القرآني .. أهي سِقايةٌ أم صُواعُ المَلِك في سورةِ يوسف

أ.د. خليل عبد سالم الرفوع

سورة يوسف تتشكل فنيًّا من قصة مكتملة البناء، وفيها ملامح لغوية تصويرية إيقاعية يتجدد جمالها البياني بتجدد قراءتها لمن أوتي قدرةً نقديةً في الإحساس بتذوق روائع النصوص وتأويلها، وفي كل جزئية من سرديتها استكمال لبنيتها، لتبقى كما هو القرآن الكريم أجملَ ما قيل في فنِّ القول العربي، فأحداث القصة لم تقع بلسان عربي في زمنها، لكنها رُوِيتْ باللسان العربي، لأنه الأقدر على وصف المشاعر وخوالج النفس وسير الأحداث، فالقصة تشتمل على عناصر القصة زمانًا ومكانًا وأبطالًا وأحداثًا ومجموعةً من الحُبُكات الدَّرامية المترابطة، وفي كلٍّ منها انفراجة تريح القارئ بنهاية ختامية تتناسب نفسيًّا مع تصاعد البنية الدرامية التي تُلَخَّصُ في: الصبر على ابتلاءات: حَسَدِ الإخوة، وفتنة الإغواء، وسلطة القوة أو قوة السلطة.
إخوة يوسف حاولوا التخلصَ من أخيهم يوسفَ دون الشروع في قتله، فلم يكونوا قتلةً؛ لأنهم من بيت النبوة، وقد قالوا لأبيهم بعد أن تحققت العدالة: يا أبانا استغفرْ لنا ذنوبَنا وقد اعترفوا بخطئهم، ولعل الخطيئة الوحيدة التي ارتكبوها، هي: الوقوع في دائرة العقوق بالكذب على أبيهم، بعد أن ألقَوا يوسف في الجبِّ على قارعة القوافل السَّيَّارة لعلها تكون سببًا في إنقاذه، فالهدف هو إبعادُه عن أبيهم، ولم يقتلوه بعد أن كان القتلُ أولَ مشاريعهم التخطيطية.
وفي سياقات السرد تبدو فكرة اتهام إخوة يوسف بسرقة السِّقاية أو صُواع الملك،: ﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)﴾ سورة يوسف.
السِّقاية والصُّواع: لفظان لمعنى واحد، وهو: أداة الكيل، أما السِّقاية فهي لكيل السوائل، كالماء والزيت واللبن، وهي: اسم آلة من الفعل سَقَي، فهي تسقي . وأما صواع: وفي لغة أخرى صاع (الأكثر استعمالًا لغةً، يقدر بأربع حَفَنات، والحفنة: ملء الكفين من شيء)، فهو في الآية: مقياس رسمي من السلطة الحاكمة مختوم عليه للكيل والوزن؛ ووردت السقاية مرتين، الأولى باسمها، والثانية بالضمير العائد إليها، فحينما وضعها يوسف في رحل أخيه وكذلك حينما استخرجها سُمِّيَتْ: سقاية، لكن حينما نودي على الإخوة أمام أهل السوق ذكرت باسم: صُواع الملك، فقد نسبوه أمامهم وأمام أهل السوق للملك حتى يخوفوهم أنه خاص بالملك وهو المعتمَد للكيل رسميًّا، وأن السرقة التي حدثت ليست بسيطة بل وكأنها سرقة من الملك نفسه، فلو أَذَّنَ المؤذن بسرقة السقاية فسيكون أمرُها بسيطًا لا يعاقَبُ سارقُها بالسجن، أما أن تُسْرَقَ أداةٌ ملكية معتمدةٌ فذلك حدث يستحق التحقيق ومساءلة فاعله بل سجنه.
وفي ضوء قراءة الآيات السابقة يتبين الآتي:
أولا: الجَهاز: ما جُهِّزَ للرحلة من طعام أو قمح أو متاع، وأما الجِهاز: فهو الآلة: مثل: جِهاز الهاتف أو الحاسوب. فحينما اكتمل تجهيز المتاع على ظهور الإبل، جَعل يوسفُ وهو النبي والعزيز السقايةَ في رحل أخيه ولم يشر القرآن إلى أنه شقيقه، كما أن هذا الأخ لم يسند إليه أي دور فعلي أو كلامي في القصة كلها، والفعل جعل: يوحي بأن يوسف هو من قام بالتخطيط والتنفيذ الدقيق التام حتى يبقى الفعل سرًا لا يطلع عليه أحد خاصة عُمَّالَه، فالجعل كان في الرحل، والاستخراج كان من الوعاء، ولا غرابة لغوية في ذلك؛ فقد جُعِلَتِ السقايةُ في الوعاء الخاص بأخيه والوعاء موضوع في الرحل.
ثانيا: لغة الحوار: من أَذَّنَ في العِير (أهل القوافل) هو أحدُ عمال يوسف، وقد أُذِن له بالمناداة، تلك هي وظيفته، والنداء كان لأهل الإبل التي جُهِّزتْ للمغادرة، وقد أكَّد السرقة بتخصيص إخوة يوسف بفعل السرقة وبتأكيد الفعل من خلال حرف التوكيد “إنكم”، ولام التأكيد التي حصرت إخوة يوسف بفعل السرقة “لسارقون”، ثم كان الرد مباشرة من إخوة يوسف، وهم مقبلون عليه، فقد قال من بعدُ “وأنا به زعيم”، فقد خاطبوه بضمير الجماعة: “ماذا تفقدون”، فحركتهم المضطربة من خشية التهمة يصحبها تساؤل الدهشة؛ لأنهم لم يسرقوا فهم أبناء نبي، ولأنهم غرباء، وكان رد يوسف: “أنهم فقدوا صواع الملك”، لتضخيم فعل السرقة وتشديد عقوبتها، وقد أعطاهم يوسف مهلة ليُرجِعوا المسروق معلنًا: ” له حِمْل بعير وأنا به زعيم”. وفي ردهم على يوسف كانت لغة الحوار: تأكيدًا مضاعفًا لنفي التهمة، بالقسم المغلظ” تالله”، وبـ”لقد”، ثم تذكير يوسف أنهم تجارٌ، فالتهمة كبيرة، وأن يسرق التاجر، فتلك خطيئة يتبعها إفساد في الأرض، فكان ردهم: أنهم لم يسرقوا من قبلُ وما كانوا مفسدين في الأرض، وكان هذا لمعرفتهم بعاقبة سرقة صواع الملك، فهم تجار يعرفون ضوابط السوق وقوانينه.
فأداة الكيل العملية هي: السقاية التي وضعها يوسف في رحل أخيه، أما حينما أعلن عن فقدانها بالسرقة سميت صواع الملك وليس فقط الصواع، لأن سرقتها هي سرقة للملك، أما لو قيل السقاية فهي في عرف أهل السوق لا تساوي شيئا، بينما لصواع الملك قيمة مادية اعتبارية يستحق سارقُه عقوبةً في قانون الملك، وأما لماذا اتبع يوسف هذه الحيلة لاستبقاء أخيه وهو يعلم أن أباه في حالة من الحزن والكمد لفقدهما، فتلك طريقة تتظافر مع طرائق يوسف في الدعوة وبيان صبره وصبر أبيه وهما نبيان على كذب ذوي القربى وظلمهم، لم يكن يوسف قاضيًا أو زعيمًا يريد تحقيق العدالة بل كان نبيا يريد إصلاح أمراض النفوس وبيان اعوجاجها، وفي ذلك بيان لكل من يقرأ السورة منذ تنزلها إلى يوم البعث. فالدعوة إلى الله تكون بالحسنى وعدم الانتقام حتى يتبين الآخر مقدار ظلمه، وكان ليوسف الحق في كشف زور إخوته وكذبهم عندما اتهموه وأخاه مباشرة بالسرقة، “قالوا أن يسرق فقد سرقَ أخٌ له من قبلُ”، وفي لجج الكذب كانت فضيلة صبر الأنبياء حاضرة،” فأسرها يوسف في نفسه”، وما أعلم موقفًا أعظمَ من حالة الصبر والتصبر من هذه، خاصة حينما يكون مرضُ النفوس الحسدَ الذي لا تسلم منه مجتمعات ذوي القربى منذ ابني آدم.
وبعد، فلقد كانت لغة القرآن دقيقة في لفظها ومجازها ومعناها، فلكل لفظة معنًى يتظافر السياق الدلالي والاستعمال اللساني والحالة النفسية والجسدية على إظهاره بنسج لغوي فائق الدهشة والصورة والإيقاع مبنًى ومعنًى.
أ.د. خليل عبد سالم الرفوع
الجامعة القاسمية