السّيّدة و الصّولجان

2 مارس 2024
السّيّدة و الصّولجان

فايزة الفالح

سلام … تفيد التحيّة على مخاض السطور ؛ لتضع حملها بسلام ،وسلام … على شذرات حين تُكتب بالضاد.

سلام…تفيد التحيّة ، على فكرة حين تُطرح على الفكرة ؛ تكون كضرب الحجر بالحجر، والزناد على الكبسولة؛ لتُحدِثَ الشرارة، ليكون الاحتراق … والناتج نار .

تحيّة لرسائل (كافكا) و(ميلينا) ،التي كانت تطرد هوس النوم عن أعينهما . وتحيّة لحلم (كافكا) حين مرَّ به طيف (ميلينا) ذات ليلة ،وهي تجلس على يمينهِ ، وطفل بائس على يساره.

تحيّة لوجدِ مُخيّلة (لوركا) الذي همس للحجرِ حين بكى عند رؤية (ماريانيتا) تموت على المقصلة ؛ لأنّها لم تعترف ، ولم توشِ بأسماء رفاق السلاح . وتحيّة للمثلّث الذي ضمّ بين أضلعه الثلاث، راية بنفسجيّة اللون، والكلمات الثلاث: الحريّة، المساواة ، و القانون الذي يعلوهما ،لتبقى (ماريانيتا )العاشقة رمزاً للمُثُل والقيم العليا كما يَدّعون .

تحيّة لملامح “أبو الهول” الذي زيّنته ملاحة تقاسيم وجه (مرسيدس) ، الزوجة الملهمة ؛ لتكون بلا شكٍّ بوصلة (ماركيز) الأولى . هكذا يكون النصف للنصف الآخر ، وليس مهمّاً أن تُحرِّر الرّهن عن أشيائها المهمّة ؛ إذ لا شيء يهمّها أمام إصلاح آلة الطباعة ،وما نسجه حرف (ماركيز) .

تحيّة لمقصلة شربت مِن دماء الحريّة ، وقطفت ثمرة قلب (روز) … زوجة الجنرال الثائر (فرانسوا دي بوهارني) ، ليجمعها القدر فيما بعد بشابِّ فرنسيّ المقام، إيطاليّ الجذور . فالقاعدة لا يجتمع عليها إلّا اثنان؛ ليكونا استثناء ،حين يعزف القدر على وتر جمال الروح الذي خطف قلب ذاك الشابّ ؛ لتكون في عينيه امرأة الحبّ والحرب معاً ، إذ لا قيمة للرقم في العمر ، حين حَذفَت مِن سجلِّ عمرها أربع سنين، ليزيد هو على سجلِّ عمره عامين، فالحبّ أحياناً يحتاج المراوغة .تحيّة (لروز) التي قَبِلَت اسمها الجديد … (جوزفين)، ويكون هو…( نابليون بونابرت) أوّل إمبراطور لفرنسا أواخر القرن الثامن عشر ،وأوائل القرن التاسع عشر . تحيّة للحقيقة التي تَدارى وراءها عشيق (جوزفين).. (باراس) لتكون (جوزفين) أحد أسرار الخديعة .

تحيّة للأساطير حين تتلقّفها الألسن والحكايات، لتخرجَ مِن رحمها (هلينا الطرواديّة) …أجمل نساء الأرض، كما صوّرها الإغريق، ليكون جمالُها أشبه باللعنة ؛ لِوقوعِها صريعة سحرِ (باريس)
… أمير طروادة الذي هامَ بها عشقاً، غير آبهٍ بالعواقب، و الذي صنع المستحيل مِن أجل الحفاظ على المستحيل، لِتشتعلَ الحرب لأجل اِسترداد الزوجة مِن العشيق، لتصبح حرب طروادة آخر المعارك، وتبقى وحدها المعركة خديعة الأسرار ،حين استفاقت العاشقة من سحر (باريس) بعد حرب ضروس، لتعودَ لديارها (هيلينا) … زوجة
(مينيلاوس) .. ملك (إسبارطا) . (هيلينا) ذات الشعر الجميل، أي (هيلين) ذات الذراعين البيضاوين … الملكة التي أصبحت فيما بعد (هيلينا) البغيضة .

 

إنّها معركة عشقٍ لا حرب عقائد ، ليجلسَ الشعراء على حافّة الليل، يتغنّون ببطولات وأبطال الحبّ والحرب حين تَمطر الخيانات ، فيسقط الحبّ والحرب في أسرار الخديعة . هذه هي المرأة في الغرب ،وهذا هو دورها التاريخيّ الدّنيوي حصراً، العابرُ المُفارقُ للحبّ والحرب .

أمّا المرأة في الشرق…
فما أجمل السلام وأكمله …! حين يحقّ السلام على المسلمات والعربيات، الخاليات مِن الزّيف والخداع ، اللائي صنعن التاريخ، وأنجبن الأبطال : الأدباء، والعلماء، والجنود الرجال الرجال ، وسلام على جغرافية المكان تتمثّل فيهنّ، حين لم تكذب الجغرافية بحقّهن ، كاد أن يكذب التاريخ ؛ لولا تمرّد الحقُّ عليه ، فالحقُّ لا يداريه غربال، ولا تعميه عين الشمس وإن نظر فيها .

ها …! هو السلام يفيد السلام ، بمذاق النور من “النور” هبط به الوحي _ عليه السلام_ بأمرٍ من “الله الحقّ السلام” على محمّد ، مُحيّياً سيّدة الإسلام الأولى ، أمّ المؤمنين ” خديجة بنت خويلد ” الزوج والحبيبة لسيّد الكون، خاتم الأنبياء والمرسلين “محمّد ” رسول الله __عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم__ رفيقة الدرب والحرب والحبّ بلا استسلام، من الغار إلى الدار : “زمّليني زمّليني”. وفي وطأة الليل_ يا حبيبة_ “دثّريني دثّريني” … لبّيك يا صاحب القبّة الخضراء، إذ شُغلتْ بحبّك الموصول بعرش السماء ، يوم رفع الله عن عينيّ الغطاء، والنور مُبتهج يشعّ من خدّيكَ ، يعانق جبينكَ الوضّاء، مَن عند الباب … ؟ ، إنّه محمّد … خفق قلبي، وأنشد وجدي ؛ لمّا رأيتُ :
جاء الحبيب الذي أهواه مِن سفرٍ،
والشمسُ قد أثَّرَتْ في خدّهِ أثرا
عجِبتُ للشمسِ مِن تَقْبِيلِ وجنته
والشمسُ لا ينبغي أن تدركَ القمرا …….
إنّه الحبّ المتفرّد، والإعجاز المُجرّد ،لمثله يحقّ السلام .

إسلام وسلام ، والنبأ يقين ؛ إلى المنعة والقوّة … “سبأ” ، حيث الملكة : ” وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ” . إنّها “بلقيس بنت شرحبيل” ،القدر ربّانيّ ، والهدهد والمداد والقول سليمانيّ : “إنّه من سليمان ، وإنّه بسم الله الرحمن الرحيم . ألّا تعلوا عليَّ و أتوني مسلمين ” . رسالة لا تشبه من مداد البشر قطرة، ولم تأتِ أقلامهم بمثلها طفرة، تخلّت عن عرشها “بلقيس” لتُسْلِم بشعبها؛ فسبقها العرش إلى “سليمان” ، وإذ بالعرش ماثلا ، “ويكأنّه هو” …! هكذا …! أسلَمت وأنضوتْ تحت لواء مملكة سليمان الواسعة الشاسعة ، إنّها ساحة حبّ لا حرب … لا خاسر فيها ولا مهزوم، حين يكون النصر حبّاً لله وبالله ، والاستسلام له وحده ، فالحبّ أقوى أن تتّحد به مشارق الأرض بمغاربها؛ ليكون “سليمان” الملك ، و”بلقيس” للعرش صولجان.

سلام على نساء عربيّات أرتشفن النور، ثمّ مضين على دربه جيلاً بعد جيل، وأضأن الدروب الحالكة ، ما تنفكّ تجوب دروب أوطانهنّ حيث أنين الريح ، والنار التي ترقص على صوت أزيزها، هناك …! في فلسطين جراح ملتهبة، كانت حفيدات “الخنساء” يدفعن الفرسان … يزغردنّ … يرثينّ شهداء أحياء ، عرجت أرواحهم إلى السماء؛ حيث الجنان … حيث المستقرُّ . “ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم” . وليس ببعيد عن الزمان والمكان ذاتهما، أن تنهض حفيدات “رفيدة الأنصارية” بيدين اثنتين : يدٌ تُطبّبُ جراح ضحايا عنف واستبداد العدوان الصهيوني الغاشم ، ويدٌ تُطبطب على جراحهنّ النازفة حسرات وويلات بالصبر الجميل . وليس ببعيد عنهنّ أيضا … حفيدات “خولة بنت الأزور ” تلك المجدليّات الثائرات ،الاتي يقفن بصف أشقّائهنّ وأبنائهنّ و رجالهنّ . ألا إن نيل المغيرات فوز ، فسلام عليهنّ فوق الأرض ،وتحت الأرض، ويوم العرض … وسلام الله على كلِّ حرف مولود ليرقى بالسطر المقصود …
يا بن العروبة الحامي …!
يا بن فلسطين الرامي…!
قل لي : بربّكَ مَن أمّك …؟!
لأضع باسم السلام قبلة
على جبينها السامي .