وطنا اليوم _
تتلونُ الكلماتُ فتُخفي وجوهَها القبيحةَ خلفَ أقنعةِ المجاملة، فيُسمّونَ الرشوةَ “إكرامية”، ويُلبسونَ الهديةَ ثوبَ العرفِ والتقدير.
ويُسمّونَ استنزافَ المالِ العامِ “دعايةً وتسويقًا”، والمالُ أمانةٌ في أعناقِهم، لا مِلْكًا يجودونَ به على من شاؤوا.
فإذا نطقَ اللسانُ بالحلاوةِ، استحتِ العينُ من رؤيةِ الحقيقةِ العارية، وأُطعمَ الفمُ كلامًا معسولًا ليتوارى الفعلُ المشينُ خلفَ ستارِ الأدب.
أيُّ سحرٍ هذا الذي يجعلُ الحرامَ حلالًا إذا غُيّرَ اسمه؟ وأيُّ عمىً يصيبُ الضميرَ حتى يرى الانحرافَ مهارةً، والتلاعبَ فطنةً، والتغطيةَ ذكاء؟
إنَّ ثقافةَ الفسادِ الإداريِّ أدهى من الفسادِ المالي؛ ذاكَ يسرقُ الدرهم، وهذا يسرقُ الأملَ والعدلَ والثقةَ بينَ الناسِ ودولتِهم.
فينشأُ جيلٌ يرى في المحسوبيةِ حقًّا مكتسبًا، وفي استغلالِ المنصبِ شطارةً، وينسى أنَّ كلَّ موظفٍ مؤتمنٌ على ما وُكِّلَ إليه.
ولا تُبرّرِ المواقفُ ما لا تُجيزُهُ الشريعةُ، ولا تُسوِّغِ الحاجةُ ما حرّمَهُ الله، فالحرامُ بيّنٌ والحلالُ بيّن، وبينهما مشتبهاتٌ فاتقوها.
واعلموا أنَّ اللهَ يقول: *﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾*، فكيف بمالِ الأمةِ يُنهبُ بالمسمياتِ الناعمة؟
وقالَ نبيُّكم ﷺ: *”لعنَ اللهُ الراشيَ والمرتشيَ والرائشَ بينهما”*، فاللعنةُ تلحقُ كلَّ من حرّكِ هذا المستنقعَ ولو بكلمةٍ أو إشارة.
فإنَّ من استغلَّ وظيفتَهُ لقضاءِ حاجتِهِ، فقد خانَ الأمانةَ التي عرضتْ على السمواتِ فأبينَ أن يحملنَها وأشفقنَ منها وحملَها الإنسان.
إنَّ الأجهزةَ الرقابيةَ لم تُنشأْ زينةً في الهيكلِ الإداري، بل سيفًا على رقبةِ كلِّ متلاعبٍ بالحقِّ العام، فالواجبُ ملاحقةُ هذا الداءِ وتسميتُهُ باسمه.
ولا يليقُ أن يُغطّى الفسادُ بعباراتِ “التسهيلاتِ” و”العلاقاتِ العامة”، فالتغطيةُ بالمثاليةِ لا تغسلُ يدًا تلطّختْ، ولا تُطهّرُ ذمةً تثاقلتْ.
والتحذيرُ منه واجبٌ على المنابرِ، وفي وسائلِ الإعلامِ، ومدوناتِ السلوكِ الوظيفي، صغيرًا كانَ الموظفُ أم كبيرًا، مغمورًا كانَ أم مرموقًا.
فلا فرقَ عندَ اللهِ بينَ مؤسسةٍ كبيرةٍ وصغيرة، ولا بينَ منصبٍ عالٍ ومنصبٍ دنيء، فالمعيارُ التقوى والأمانة، لا النفوذُ والوجاهة.
ومن غضَّ الطرفَ اليومَ، شاركَ في الجريمةِ غدًا، والساكتُ عن الحقِّ شيطانٌ أخرس، والناطقُ بالباطلِ شيطانٌ ناطق.
فليكنْ لسانُنا سيفًا على الباطل، وقلوبُنا حارسةً على الأمانة، وأيدينا مانعةً للعدوانِ على المالِ العام.
الدنيا لا تعدِلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ، فلا تبيعْ الآخرةَ بعرضٍ زائلٍ وطعمِ فمٍ مؤقت.
وثوبُ المثاليةِ لا يليقُ بمن خلعَ عنه لباسَ التقوى، فالنفوذُ زائلٌ وربُّكَ أقوى من كلِّ سلطان، وإليه المرجعُ والمآب.
ارجعْ إلى ربِّك، فإنَّ مصلحةَ العامةِ أمانةٌ تُسألُ عنها يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم.
فليعلمْ كلُّ ذي منصبٍ أنَّ الكرسيَّ زائل، وأنَّ السؤالَ عن الأمانةِ آتٍ لا محالة، وأنَّ التاريخَ لا يرحمُ من خانَ.
فما نُبني بالباطلِ ينهارُ ولو طالَ عمرُهُ، وما قامَ على الحقِّ يبقى ولو قلَّ ناصرُهُ.
وإنَّ المؤسساتِ لا تقومُ على المجاملاتِ، بل على العدلِ والشفافيةِ والمساءلةِ التي لا تجاملُ قريبًا ولا تخشى بعيدًا.
فلتكنْ رسالتُنا واضحة: لا تغطيةَ للفسادِ، ولا تبريرَ للانحرافِ، ولا صمتَ على الباطلِ مهما تزيّنَ بالعبارات.
فاتقوا اللهَ في أموالِ الناس، وسمُّوا الأشياءَ بمسمياتِها، فإنَّ اللهَ لا يستحي من الحقِّ، وأنتم أولى بذلك.
وإنَّ الأردنَّ لا يُبنى إلا بسواعدَ نظيفةٍ وضمائرَ حيّةٍ تعضُّ على المنجزِ بالنواجذِ، لا بألسنةٍ تبرّرُ الخيانة.
فيا نشءَ الأردنِّ، هذا عهدُكم: أن تحفظوا الأمانة، وتعلوا بالحقِّ، وتقفوا في وجهِ كلِّ من أرادَ بهذا الوطنِ سوءًا.
ويبقى الأردنُّ شامخًا موحّدًا، ما دامَ فيه من يقولُ للحقِّ حقًّا، وللباطلِ باطلًا، ولا يخافُ في اللهِ لومةَ لائم
حفظ الله الاردن والقيادة الهاشميه المظفرة وشعب الاردن العظيم.






