بنك القاهرة عمان

خبراء: الإعلام في الأردن يحتضر

31 مايو 2022
خبراء: الإعلام في الأردن يحتضر

 وطنا اليوم – في الجلسة التي عقدها معهد السياسة والمجتمع (بتاريخ24 مايو / ايار  في قاعة الأستاذ عدنان ابو عودة في معهد السياسة والمجتمع) وضمت مجموعة من الباحثين والخبراء في مجال الإعلام وكانت مخصصة لبحث دور الإعلام في تعزيز الديمقراطية والعمل الحزبي، نجم عنها ورقة مسار تظهر النتائج الرئيسية والخلاصات .

في محاولة للإجابة على السؤال الذي يطرحه سياسيون ومسؤولون لماذا بقيت الرواية الإعلامية الرسمية بخصوص “لجنة التحديث السياسي” غير قوية ولا مؤثرة في الرأي العام الأردني، ولماذا لم تنجح في إحداث قناعة لدى غالبية الأردنيين بأن هنالك تغييرات مهمة وفاعلة في العملية السياسية وآفاق جديدة؟ وفي المقابل ما هو الدور المطلوب من الإعلام لتعزيز المسار الراهن نحو الحزبية وإدماج الشباب والنساء في العمل السياسي.

للتفاصيل:

يكافح الإعلام الأردني بصعوبة بالغة جدا من أجل البقاء على قيد الحياة، بعدما وجد نفسه غارقا في التحديات والأزمات، وتعرضه لشكل مماثل من عوامل التجوية والتعرية التي فرضتها سياسات التدخل الحكومي المتعاقبة في عمله، وعززتها التشريعات المتضاربة التي تنظمه، ليس ذلك فحسب بل أصبحت المؤسسات الإعلامية المهمة، كما يرى خبراء إعلاميون ومتخصصون، تدار كمؤسسات علاقات عامة، وابتعدت عن المعالجات الصحفية الحقيقية والتحليلات الاستقصائية، التي عادة ما تميز عمل المؤسسات الإعلامية.

الجميع خاسر بهذه الوضعية المحزنة والمؤلمة للإعلام الأردني، ، على حد تعبير الخبراء، فضعف دور الإعلام ومحدودية تأثيره على المواطنين وافتقاده إلى القوة والمصداقية والمبادرة لا يضعف خطاب المعارضة أو يسكت الأصوات الغاضبة، كما يظن بعض المسؤولين، بل يضعف الدولة نفسها ويؤثر كثيراً على علاقة المؤسسات الرسمية بالشارع، لأنّ البديل عن الصمت الحكومي هي الإشاعة، وعن النقاش العقلاني هو الخطاب الغوغائي، وعن المؤسسات الإعلامية القوية هي مواقع التواصل الاجتماعي التي ينتشر فيها الغث والسمين!

ظهرت أزمة الإعلام الأردني جلية خلال أحداث مهمة وكبيرة شهدها الأردن ووقف فيها الإعلام موقف المتفرج، ولم يستطع أن يخترق الراي العام وأن يؤثر به، فهو مكبل الأيدي، ولا يستطيع أن يمارس العمل الإعلامي الحقيقي، وكما يقال فاقد الشيء لا يعطيه، فعندما يفتقد الإعلام لهذه الادوات ويصبح معتمداً بشكل كامل على علاقته بالسلطة أو رأس المال والمصالح الخاصة، بعيداً عن أي معيار معتبر للمهنية الإعلامية والقواعد التي تحكم حرية النشر، فمن الطبيعي أن يتقلص تأثيره.

المفارقة أن تكون تلك هي النتائج الرئيسية والخلاصات التي نجمت عن الجلسة التي عقدها معهد السياسة والمجتمع (بتاريخ24 مايو / ايار في قاعة الأستاذ عدنان ابو عودة في معهد السياسة والمجتمع) وضمت مجموعة من الباحثين والخبراء في مجال الإعلام وكانت مخصصة لبحث دور الإعلام في تعزيز الديمقراطية والعمل الحزبي، في محاولة للإجابة على السؤال الذي يطرحه سياسيون ومسؤولون لماذا بقيت الرواية الإعلامية الرسمية بخصوص “لجنة التحديث السياسي” غير قوية ولا مؤثرة في الرأي العام الأردني، ولماذا لم تنجح في إحداث قناعة لدى غالبية الأردنيين بأن هنالك تغييرات مهمة وفاعلة في العملية السياسية وآفاق جديدة؟ وفي المقابل ما هو الدور المطلوب من الإعلام لتعزيز المسار الراهن نحو الحزبية وإدماج الشباب والنساء في العمل السياسي.

إلا أن الطريف في الأمر أنّ وقائع الندوة أظهرت بأن الإعلام هو نفسه يعاني من العديد من الأزمات والتحديات، سواء المالية أو المهنية والسياسية، بعد أن تم تقييد المساحات أمامه وفرض إطار محدد، وإن كان ذلك يتم احيانا من خلال أستخدام أدوات ناعمة متوافقة مع القانون (الرقابة الذاتية)، وفي أحيان في عملية هندسة إعلامية جرت خلال الأعوام الأخيرة جعلت الإعلام يبدو فقيراً من الناحية المهنية عاجزاً عن التأثير والنفوذ، مما قلب موضوع النقاش من دور الإعلام في تعزيز مخرجات لجنة التحديث السياسي والدمقرطة وتعزيز انخراط الشباب في العمل الحزبي إلى الحديث عن أزمة الإعلام الأردني نفسه.

ما هو الواقع الذي عليه الإعلام في الأردن اليوم؟

انطلقت الجلسة من فرضية أن الإعلام في الأردن لديه قدرة عالية على تعبئة الرأي العام وزيادة مدى ثقافة وتأهيل وإدراك الناس لما يدور حولهم من أحداث إلا أن تقدير المشاركين جاء بأن واقع الإعلام في الأردن مغاير عن تلك الصورة الوردية المتخيلة من بعيد تماما، إذ يثقل عمله سلسة من المحددات والتحديات، التي تؤثر على فاعليته وقدرته على التأثير حيث بات عمل المؤسسات الإعلامية في الاردن اقرب إلى طريقة مؤسسات العلاقات العامة، وابتعد عن المعالجات الصحفية الحقيقية والتحليلات الاستقصائية ،التي عادة ما تميز عمل المؤسسات الإعلامية، وكل ذلك تحت تأثير القيود المفروضة عليه وهذا ما يلمسه المواطن الذي فقد الثقة بالاعلام الاردني والمنتج الذي يصدر عنه،

وعلى هذا الأساس من تعريف حالة الإعلام الأردني يمكن أن نفهم لماذا لم يستطع حشد الرأي العام حوله وذلك نتيجة لفقدان الجمهور الثقة بالإعلام مسبقا، وهذا ينسحب على تعاطي الإعلام مع عدة ملفات كنقابة المعلمين واحتجاجات الحراك الشعبي وموضوع الفتنة وقضية العجارمة، إذ كان الإعلام في واد والملفات الساخنة في وادٍ آخر، وتبدو المفارقة أنه في الوقت الذي لم تجد فيه الدولة “ماكينات إعلامية” لحمل روايتها، بل ولجأ المسؤولون إلى تغييب الإعلام المحلي وجدت المعارضات والأطراف الأخرى في وسائل التواصل الاجتماعي والبث الخارجي فرصة مناسبة لتقديم ما يريدون من روايات ومعلومات والتلاعب بالرأي العام الأردني من دون وجود أي رواية قوية وصلبة، ناهيك عن عامل الوقت الذي عادةً ما يخسره المسؤولون، فتأخر تقديم المعلومات والأخبار والأفكار في الوقت المحدد يترك المساحة واسعة للأطراف الأخرى.

ما هي التحديات التي تواجه الإعلام الأردني؟

وجه المشاركون أصابع الأتهام فيما آل اليه الاعلام في الاردن إلى القوانين والتشريعات الإعلامية السائدة، والتي تتيح لسلطات أحيانا الاحكام عليه وتوجيهه والحد من حركيته حيث تستخدم بعض هذه القوانين لفرض قيود إضافية على العمل الإعلامي والوصول إلى المعلومات والتوقيف القضائي ، وكل ذلك يتم بشكل قانوني نتيجة هذه القوانين المفصلة احيانا بشكل واضح مع الاتهامات التي تسقطها السلطات على عمل الإعلام .

ونوه المشاركون في الجلسة بأنه وعلى هذا المنوال القانوني عملت السلطات على السيطرة على وسائل الإعلام من خلال هندسة إدارتها وهيكلتها بما يحقق غاية توجيهها والتحكم بعملها وأصبحت السلطات تتعامل مع الإعلام على أنّه مصدر إزعاج وإرباك لا مصدر قوة كبرى من المفترض بناء استراتيجية واضحة للإفادة منه.

وبين المشاركين بأنه أمام هذه البيئة المعقدة يجد الصحفي او القائم بعملية الاتصال نفسه سقط في فخ الرقابة الذاتية واصبح منتوجه الاعلامي مبرمج مع هذه الرقابة، ويزيد من تمسكه بهذه الرقابة الواقع الاقتصادي الذي تعاني منه المؤسسات الإعلامية، مع تضخم اعداد العاملين بها وتراجع إيرادات الإعلانات وردع المعلنيين احيانا من الاستمرار بالشراكات مع هذه المؤسسات خاصة التي تحاول ان تغرد خارج السرب، وغياب الامان الوظيفي فهنا تصبح الرقابة الذاتية درعا حاميا من هذه العقوبات القانونية وتوفر له الامان الوظيفي على الأقل.

الإعلام والديمقراطية؟

لفت المشاركون في الجلسة إلى أن الديمقراطية لا يمكن أن تنمو إلا بوجود حريات عامة ومن أهم أركان الحريات هي الحرية الإعلامية ومن دون توفرها لا يمكن اقناع الرأي العام بمشروعات الإصلاح السياسي وجديتها، كما أفاد المشاركون بأنهم كانوا ينتظرون أن تحمل الاصلاحات السياسية التي نحن في طورها أردنيا تحولاً موازياً في البيئة السياسية والحريات العامة بخاصة الإعلامية، مما يضمن حرية التعبير وممارسة الصحافة الحرة، التي تعد رافعة مهمة للحياة الديمقراطية والمؤسسات الفاعلة بها كالأحزاب والبرلمان وإداة فاعلة في تعزيز مبادىء المواطنة وسيادة القانون لدى الجمهور ، لكن ذلك كلّه لم يحدث فبدت عملية ولادة الأحزاب السياسية وكأنّها تمر عبر عملية تصنيع عسيرة خارج السياق السياسي المحيط، بما في ذلك الإعلامي أيضاً!

أوصى المشاركون بضرورة مراجعة الملف الإعلامي بصورة جذرية وإعادة النظر في السياسات والتشريعات والسلوكيات الرسمية التي كبّلت الإعلام الوطني، بشقيه الرسمي والخاص، وجعلته يبدو عاجزاً مهزوزاً غير قادر على استقطاب اهتمام الأردنيين ولا حتى المنافسة مع الأنواع الجديدة من الإعلام الالكتروني، وأضعف أولاً رواية الحكومات في مختلف القضايا وعزز ثانياً فجوة الثقة والمصداقية بينها وبين الشارع، وفشل ثالثاً في الدفاع عن سياسات الدولة وأخيراً أضعف الأصوات الإعلامية المعتدلة العقلانية لصالح الأصوات التي خرقت كل الخطوط الحمراء وتجاوزت السقوف بصورة كاملة، وجرت وراءها نسبة كبيرة من الرأي العام الأردني.