تساؤل دولة عبدالرؤوف الروابده بين المباركة والاستنكار

15 فبراير 2026
تساؤل دولة عبدالرؤوف الروابده بين المباركة والاستنكار

د. عادل يعقوب الشمايله

تداول كثيرون الفيديو الذي يظهرُ فيه دولة السيد عبدالرؤوف الروابدة مدافعًا عن ممارساتٍ إداريةٍ وقانونيةٍ قديمةٍ حديثةٍ، وكأنها أيقونةٌ في زمانٍ اختفت فيه الأيقونات، ومفخرةً يتعيَّن على الأردنيين التباهي بها وتمييل العقال.

بكل الحماسةِ المعهودةِ بدولتهِ تحدّى أطرافًا، وأنَّبَ أطرافًا أُخرى دون ذكر هوياتهم. كان حديثه من القلب إلى القلب تارةً، ومن الفم إلى الأذن تارةً أخرى، وليس من العقل إلى العقل كما هو متوقَّعٌ من الصيدلاني خريج الجامعة الأمريكية، ورجلِ الدولةِ الذي قلَّ منافسوه خبرةً وفهمًا ووطنيةً، وأقصد هنا من تولوا مناصباً مماثلةً لمناسبه.

طالب أبو عصام مستمعيه بإعجابٍ وتعجُّبٍ أن يدلّوهُ على دولةٍ واحدةٍ فتحت أبوابها لِكُلِّ طارقٍ ولو طرقةً خفيفةً، وبالأخص من الجنسيات العربية والإسلامية كما اعتاد الأردنُ أن يفعل. وأضافَ دولته أن الأردن لم يكتفِ بذلك، بل ابتدأَ وحافظَ على سُنَّة إتاحةِ الفرص للدالفين إليه بأن يتولَّوا أعلى المناصب السياسية بمجرد أن يصدر عن الوافد أيُّ تعبيرٍ بالكلمة أو الإشارة أو هزَّة الرأس أنه أصبح أردنيًا أو “تأرْدَن”. ولم يتطرق دولته إلى وجود أي تحفظات أو اختبارٍ لمصداقية الوافد، ولا إطار زمني للحصول على الجنسية ثم المنصب ضمن قواعد صارمة تتوازى مع أهمية المنصب والمهمة المناطة به.

بلْ، لقد أشعرت حرارة المعاملة والاستقبال للوافدين بأنهم مهمون ومتفوقون، الأمر الذي جعل الكثيرين منهم يحتفظون بثقافة المجتمع الذي لجؤوا منه، متمسكين بإيجابياتها وسلبياتها، وفي الوقت ذاته مستنكرين، منتقدين لثقافة المجتمع الذي لجؤوا إليه ومتعالين عليها. وجميعنا نعلم أنهُ ليس جميع من يحملون، أو حُمِّلوا الجنسية الأردنية، تأرْدَنوا حقيقةً. فجواز السفر الأردني ظلَّ مجرد جوازٍ للسفر للبعض، أو جوازَ منافسةٍ على الوظائف، أو جواز استثمار. وهذا يذكرنا بقوله تعالى:
“قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”. وهو شعور يشترك فيه معظم العربان الذين فُتحت لهم أبواب الهجرة والعيش والاستقرار، في امريكا والدول الأوروبية ولكنهم لم يندمجوا في مجتمعاتهم الجديدة، بل لا يتحرَّجون عن سبِّها وتكفيرها والدعوة للانقضاض على ثقافتها.

يبدو أن دولته لم يسمع بقصائد المديح لمكارم الأردن التي صدح بها أدعياءُ الحقوقِ المنقوصة، أو أنه قرر التفضل بتجاوزها والتعالي على ضحالتها الأخلاقية.

أدعياءُ الحقوق المنقوصة استخدموا افتراءاتهم قواربَ عبورٍ لغربي نهر الأردن، أو بُعرانًا تقطع بهما الصحاري الفاصلة بين الأردن وجيرانه من الجهات الأخرى.

وجميعنا نعرف أن المتاجرين بشعار الحقوق المنقوصة ليسوا من المقهورين المحبطين الذين طال عليهم الأمد ينتظرون دورهم في أرشيف ديوان الخدمة المدنية ليحصلوا على وظيفة كاتب أو محاسب أو مسّاح أو معلِّم، أو تم تجاوز ترتيبهم في جداول طالبي الوظائف التي ينظمها ديوان الخدمة المدنية، بل كانوا ممن تولّى “الواحدُ منهم” مناصب وزارية وقيادية أكثر مما حظيت به قبيلة كاملة ولو من أكبر القبائل الأردنية.

ما ذكرهُ أبو عصام يتعلقُ بعادةٍ من العادات التي اعتادتها سلطةُ اتخاذ القرار في الأردن، ومن حقنا أنْ نسألَ أبا عصام: هل كُلُّ عادات الأشخاص والحكومات والشعوب حميدة؟ وهل يجوز أن تعلو العادة على المراجعة والغربلة وتكتسبَ التقديس عند الحكومة حتى ولو لم يتقبلها شعبُ تلك الدولة؟ حتى ولو ثبت أن المنتفعين منها ناكرون للجميل؟

الشافعُ الوحيدُ لمبادرة تجنيس وتولية الغرباء للمناصب العليا هو الشعور القومي الذي كان يحمله الأمير ثم الملك عبدالله الأول، المستمد من مبادئ الثورة العربية التي أضاءت شمعة الحرية والكرامة واحترام الذات عند العرب بعد “ليل العثمانيين الطويل”. وكذلكَ أملُ الأمير وتفاؤلهُ أن يُسهِم المُعيَّنون أو المُستقطَبون في إزالةِ الخطوط التقسيمية التي رسمتها ريشة سايكس بيكو وتشرشل على خارطة بلاد الشام، وإعادة المواليد الأربع لحضن أمهم. ولكنهم لم يفعلوا.

أما وأنهم لم يفعلوا، فلم يبقَ أيُّ داعٍ لعدم التخلي عنهم أو تنحيتهم، وأن يصبحَ الأردنُ غنيًا ومنيعًا بأبنائه، إذ لا يحرث الأرض إلا عجولها.

ما تفضل به دولته عن الكرم الأردني لا يختلفُ عن كرمِ حاتم الطائي الذي ذبح فرسه لإطعام ضيوفه، وفي اليوم التالي استجدى من يعطيه حمارًا ليركبه أو لينقل على ظهره ماءً يشربه. وهو أمر كان من الخطأ أن يحدث، لكنه يظل حقيقةً تاريخيةً فُرض على الشعب الأردني معايشتها بحسرة وألمٍ واستهجان، وترديد: “لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، العين بصيرة واليد قصيرة”.ولسنا متأكدين من موقف أبي عصام؛ فرأي دولته ليس واضحًا تمامًا.
لذلك لم يتوقف الأردنيون عن استنكارهم لتولي غير الأردنيين للمناصب الرسمية العليا في الدولة، خاصةً وأنَّ من تولوها لم يكونوا يتمتعون بخبراتٍ وكفاءاتٍ ومؤهلاتٍ نادرةٍ أو استثنائية، أو لا يتوفر من يشغلها من الأردنيين، سيما وأن مهامها كانت بسيطةً للغايةِ في بداية تأسيس الإمارة، حيث لم تتجاوز مهمة الوزير آنذاك مهمة عضو مجلس قروي.

وفي حال حملنا تلك الممارسة على محمل الولاء، فليس هناك شخصٌ يعرفُ الأردنيينَ يُقِرُّ أنَّ عابري الحدود أكثرَ ولاءً للدولة الأردنية من الأردنيين.

غالبية الأردنيين لا يستنكرون المواقف الإنسانية، بل يباركونها؛ مثالُ ذلكَ استقبال اللاجئين السياسيين واللاجئين من العنف والحروب والاضطرابات وعدم الاستقرار، وحتى اللاجئين بسبب تردي الأحوال المعيشية لأسباب ليسوا مسؤولين عنها بصورة مباشرة.

غير أن موقف الأردنيين من غزاة المناصب والمكاسب والجوازات يختلف.