CAB

الأردنيون يسخرون “وأنا مالي؟”

17 يناير 2022
الأردنيون يسخرون “وأنا مالي؟”

حسين الرواشدة :

يتقلب مزاج الأردنيين، هذه الأيام، على مقامين: السخرية، واللامبالاة. هذان، بالطبع، أخطر من انعدام الثقة التي اتسعت فجوتها بين المواطنين ومؤسساتهم، وأخطر من الحراكات التي قد تدب بالشوارع والمضارب، ومن المعارضات مهما شطت خطاباتها، فأن يصل المجتمع إلى حد الاستهانة، أو يتعامل بمنطق “وأنا مالي؟” مع كل ما يحدث حوله، ويمسه في صميم حياته ومستقبله، أو يتنازل عن “جديته” ويستخف بمن يتعاطاها، ثم يواجه مؤسساته وبلده بالسخرية، هذا يعني، أننا لسنا بخير.
موجة السخرية التي اندلعت على وسائل التواصل الاجتماعي حول “جمارك المركبات الفضائية”، مثلا، لم تنم عن جهل بالموضوع، لكنها عكست المزاج العام تجاه منظومة من القرارات والتشريعات التي تصدر بالمعكوس، وخلاف مطالب الناس وطموحاتهم، صحيح أن الأغلبية انحازت لمنطق “وأنا مالي؟” ولم تتحمل مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية بإبداء وجهات نظرها حول ما يجري، لكن الصحيح، أيضا، هو أن هؤلاء أصبحوا على قناعة بأنه لا جدوى من الحركة، ولا مجرد الكلام، ما دام أن صرخاتهم لا تجد آذانا صاغية.
لماذا حدث ذلك؟ لدي، على الأقل، أربعة أسباب، للتفسير لا للتبرير، الأول أن المجال العام، بكل تفاصيله، أصبح مكشوفا تماما، فلم يعد ثمة أسرار، لا على صعيد ما يحدث بالدولة ولا بالمجتمع، حالة الانكشاف العام أفقدت السياسة أهم ركائزها، وهي المناورة والتخفية والصدمة، وولدت لدى المجتمع إحساسا عاما بعدم الاهتمام، والتعامل مع المطروح بسخرية، كما أن هذه الحالة أفرزت مسؤولين ومواطنين استمرأوا التعامل مع بعضهم بالاستفزاز والاستقواء، وتبادل الكراهية والاتهامات، لقد انكشف المستور فعلا، وتكسرت الحواجز، ولم يعد أمام الطرفين أي حاجة للمجاملات أو التفاهمات، أو حتى احترام الخواطر.
السبب الثاني هو العجز، فمؤسسات الدولة والمجتمع يعانيان في هذه المرحلة من غياب القدرة على الفعل والحركة، عدوى العجز انتقلت من المواطن للمسؤول، أو العكس، فالكل يدرك ما نعانيه من أزمات وما يتربص بنا من مخاطر، لكن النتيجة أننا ما زلنا ننتظر ما يخبئه لنا الغيب، ونصرف النظر عما نعرفه ونتوقعه وما يجب أن نفعله، كل ذلك بسبب العجز العام الذي ولد لدينا طاقات سلبية، صرفناها بالسخرية من واقعنا، والانغلاق على ذواتنا، والانشغال باللطم والشكوى، والاستغراق بالإحباط.
أما السبب الثالث فهو أن سلوك المجتمع انعكاس لسلوك الدولة ومؤسساتها في الغالب، وبالتالي فإن سخرية الناس واستهانتهم بما يصدر عن الحكومات هو رد بالمثل على ما تمارسه معهم، أغلبية المسؤولين، مثلا، لا يأخذون باعتبارهم حين يتخذون قراراتهم، أو يسوقونها، ما يتمتع به الناس من ذكاء ومعرفة، فيتعاملون معهم باستهانة، ويخاطبونهم من فوق، ويحملونهم مسؤولية ما يحدث من أزمات، ثم يمنون عليهم “بالدعم”، حين يقررون تمرير زيادة الأسعار أو رفع الضرائب.
يبقى السبب الرابع، وهو أننا فشلنا بإنتاج مشروع وطني جدي ومقنع لتدشين دخولنا بالمئوية الثانية، الفشل السياسي تزامن مع الاقتصادي والاجتماعي، نتحمل جميعا مسؤوليته، ومع فقدان الجدية المرتكزة للحكمة والعقلانية، القادرة على تفعيل طاقات المجتمع وتعزيز دور ومكانة الدولة وهيبتها، كان طبيعيا أن تداهمنا السخرية، على الرغم من أن الشخصية الأردنية تتسم بالكشرة والصرامة، ثم أن نتبادل فيما بيننا “وأنا مالي؟” على الرغم من أن الأردنيين مبادرون وعصاميون، ولديهم الرغبة بالعمل والتضحية.
من أوصلنا لهذه الحالة، وكيف يمكن أن نخرج منها؟ أخشى أن يجيبني أحد القراء: “وأنا مالي؟”، أو أن يبادرني أصدقاء أغرقوني بردودهم المنتقدة” لجديتي” وتفاؤلي، بمقولة لسعد زغلول ذات زمان: “ما فيش فايدة، غطيني يا صفية”.