بقلم/ ربا رباعي الاردن
مقدمة
شهد النقد الأدبي الحديث تحوّلًا نوعيًّا في مقاربة النصوص، إذ لم يعد يكتفي بتحليل البنية اللغوية أو الجمالية، بل انفتح على حقول معرفية متعددة، من أبرزها علم النفس، الذي أتاح قراءة أعمق للدلالات الرمزية الكامنة في الخطاب الأدبي. ومن بين العناصر التي حظيت باهتمام لافت في هذا السياق: اللون، بوصفه علامة دلالية تتجاوز وظيفتها الوصفية إلى أبعاد نفسية وجمالية معقّدة.
وفي هذا الإطار، تبرز رواية الأسود يليق بك للكاتبة أحلام مستغانمي بوصفها نصًا غنيًّا بالرموز اللونية، وعلى رأسها اللون الأسود، الذي يتجاوز كونه اختيارًا شكليًّا ليغدو بنية دلالية مركزية تتقاطع فيها الأبعاد النفسية والجمالية والرمزية.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل حضور اللون الأسود في الرواية، واستجلاء وظائفه النفسية والجمالية، من خلال مقاربة وصفية تحليلية، مستأنسة بما توصلت إليه الدراسات السابقة حول جماليات اللون في الأدب، ولا سيما ما ارتبط بتجربة أبو العلاء المعري.
أولًا: اللون الأسود كتمثيل نفسي للحداد والتحوّل
يظهر اللون الأسود في الرواية في سياقه الأول بوصفه علامة على الحداد والفقد، إذ ترتديه البطلة “هالة” إثر فقدانها لوالدها في ظروف مأساوية. غير أن هذا الحضور لا يظل ثابتًا في دلالته، بل يشهد تحوّلًا تدريجيًّا:
من حالة انكسار داخلي
إلى بنية مقاومة نفسية
فالأسود لم يعد مجرد انعكاس للحزن، بل أصبح:
وسيلة لإعادة تشكيل الذات في مواجهة الانهيار
وهذا التحول يعكس وعي الشخصية بذاتها، حيث تتبنى الحداد لا كضعف، بل كقوة رمزية تحتمي بها.
ثانيًا: جماليات الأسود بين السلب والإيجاب
تُظهر الرواية بوضوح ما يمكن تسميته بـ ازدواجية الدلالة الجمالية للون الأسود، وهي فكرة تتقاطع مع ما ذهب إليه النقد النفسي في دراساته الحديثة.
◾ البعد السلبي:
الحزن
العزلة
الانغلاق
استدعاء الذاكرة المؤلمة
◾ البعد الإيجابي:
الأناقة (الأسود يليق بك بوصفه حكمًا جماليًا)
الغموض الجاذب
الهيبة
التفرّد
وبذلك، يتحول اللون الأسود من دلالة سلبية خالصة إلى:
جمالية مركّبة تجمع بين الانكسار والسمو
ثالثًا: الأسود بوصفه خطابًا غير لغوي
في مستويات أعمق من التحليل، يغدو اللون الأسود في الرواية لغة بديلة، أو ما يمكن تسميته بـ”الخطاب الصامت”.
فالشخصية الرئيسية لا تعبّر عن مواقفها دائمًا بالكلام، بل:
تلبس موقفها
وتُعلن هويتها من خلال اللون
وهنا يتخذ الأسود وظائف متعددة:
رفض غير مباشر
مقاومة هادئة
إعلان استقلالية
إنه:
علامة دلالية تقوم مقام الجملة، بل تتفوق عليها في التكثيف
رابعًا: الإدراك النفسي للون وإعادة تشكيل العالم
إذا كان فقدان البصر لدى أبو العلاء المعري قد دفعه إلى إدراك اللون إدراكًا عقليًّا، فإن بطلة الرواية تقوم بعملية موازية، ولكن من منظور شعوري:
ترى العالم من خلال الأسود
تعيد تأويل الأشياء عبره
تمنح التجربة الحياتية بعدًا انتقائيًّا
وعليه، يصبح اللون الأسود:
عدسة نفسية تُعاد عبرها صياغة الواقع
خامسًا: الأسود كرمز وجودي
يتجاوز اللون الأسود في الرواية حدوده الحسية ليغدو موقفًا وجوديًّا يعكس رؤية البطلة للعالم:
في الحب: كرامة قبل العاطفة
في السلطة: رفض الخضوع
في الذات: حماية الهوية
ومن ثم، فإن الأسود لا يمثل حالة عابرة، بل:
اختيارًا فلسفيًّا يعكس وعيًا حادًّا بالذات والعالم
سادسًا: تقاطعات دلالية مع التجربة الشعرية عند المعري
يمكن رصد عدد من التقاطعات بين توظيف اللون الأسود في الرواية وتجلياته في شعر أبو العلاء المعري:
كلاهما يوظف اللون بوصفه أداة تفكير لا مجرد وصف
حضور التشاؤم الوجودي وإن اختلفت درجاته
الاعتماد على اللون في بناء رؤية نقدية للعالم
غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في:
الطابع الفلسفي المجرد عند المعري
مقابل الطابع العاطفي-السردي عند مستغانمي
خاتمة
يتبيّن من خلال هذه الدراسة أن اللون الأسود في رواية الأسود يليق بك لا يمكن اختزاله في بعده الظاهري، بل يشكّل بنية رمزية مركبة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والجمالية والوجودية.
فهو:
تعبير عن الفقد
وأداة للمقاومة
وعلامة على التفرّد
وخطاب غير منطوق
وبذلك، تؤكد الرواية أن اللون ليس عنصرًا ثانويًّا في البناء الأدبي، بل:
أحد مفاتيح قراءة النص وفهم أعماقه النفسية والدلالية
مراجع مقترحة (للتوسّع)
دراسات في علم نفس الألوان وتأثيرها في الأدب
أبحاث نقدية حول أعمال أحلام مستغانمي
دراسات بلاغية في شعر أبو العلاء المعري
مراجع في النقد الأسلوبي والتحليل الدلالي
جماليات اللون الأسود ودلالاته النفسية في رواية “الأسود يليق بك” لأحلام مستغانمي دراسة تحليلية أسلوبية في ضوء المقاربة النفسية






