الدكتور مخلد الفاعوري … نموذج أردني للقيادة الفكرية والعمل المجتمعي

8 أبريل 2026
الدكتور مخلد الفاعوري … نموذج أردني للقيادة الفكرية والعمل المجتمعي

وطنا اليوم _

كتب: ليث الفراية

ليست الحكاية هنا عن اسمٍ يُضاف إلى قائمة، ولا عن سيرةٍ تُكتب لتُقرأ ثم تُنسى، بل عن نمطٍ مختلف من الرجال، أولئك الذين لا يمرّون في المشهد مرورًا عابرًا، بل يتركون فيه شيئًا يشبههم، ولو لم يلتفت إليهم أحد في البداية وفي وقتٍ تصعد فيه الأصوات لتعلو، وتتنافس فيه الصور لتتقدّم، يختار البعض طريقًا أكثر صعوبة، طريق الفكرة الصامتة التي لا تُعلن نفسها، لكنها تثبت حضورها مع الوقت ومن هذا النوع تحديدًا، يأتي الدكتور المهندس مخلد الفاعوري، لا بوصفه حالة عابرة، بل كنموذج لرجل يكتب حضوره بهدوء، ويترك أثره دون أن يطلب التصفيق.

في المشهد العام، لا يبرز الجميع بالصوت العالي، ولا تُحدَّد القيمة بقدرة الحضور على إثارة الانتباه، فثمة رجال يختارون طريقًا مختلفًا، طريقًا يُبنى على الفكرة لا على الصدى، وعلى الفعل لا على الانفعال ومن بين هؤلاء، يبرز الدكتور المهندس مخلد الفاعوري بوصفه حالة خاصة لرجلٍ لم يسعَ يومًا إلى الضوء بقدر ما انشغل بصناعة أثره بهدوء، رجل يعرف أن كثرة الكلام قد تصنع لحظة، لكنها لا تبني مسارًا، وأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان بقدر ما تحتاج إلى ثبات.

ليس من السهل أن تجمع بين صرامة الهندسة ومرونة العمل العام، لكن الفاعوري قدّم نموذجًا يُظهر أن التوازن بينهما ليس ممكنًا فحسب، بل ضروريًا، فالهندسة، في جوهرها، ليست أرقامًا ورسومات، بل طريقة تفكير تقوم على التحليل العميق، والبحث عن الحلول، وإعادة ترتيب الفوضى في قالبٍ منظم وهذه الفلسفة تحديدًا هي ما حملها معه إلى كل مساحة عمل انخرط فيها، سواء في الميدان الأكاديمي أو في الشأن المجتمعي، حيث بدا واضحًا أن الرجل لا يتعامل مع التحديات بوصفها أزمات، بل بوصفها مسائل قابلة للفهم والحل.

في تجربته الأكاديمية، لم يكن مجرد أستاذ يُلقي المعرفة، بل كان شريكًا في تشكيلها، مؤمنًا بأن التعليم الحقيقي لا يُقاس بعدد المحاضرات، بل بقدرة الطالب على التفكير، وعلى تحويل ما تعلمه إلى أداة تغيير حقيقية ومن هنا، جاءت رؤيته منحازة إلى التعليم التطبيقي، إلى ذلك النوع من المعرفة الذي لا يبقى حبيس القاعات، بل يخرج إلى الواقع ليُعيد تشكيله، وليصبح جزءًا من عملية البناء لا مجرد وصفٍ لها.

لكن ما يلفت في شخصية الفاعوري ليس فقط هذا العمق العلمي، بل تلك القناعة الراسخة بأن العلم، إن لم يتحول إلى خدمة للناس، يبقى ناقصًا، ولعل دخوله معترك الانتخابات البلدية عام 2022 في عين الباشا لم يكن خطوة عابرة، بل امتدادًا طبيعيًا لهذه القناعة فقد تعامل مع العمل البلدي بوصفه مشروعًا إداريًا يحتاج إلى عقلية هندسية، تُشخّص الخلل بدقة، وتضع الحلول بواقعية، وتتابع التنفيذ بإصرار، دون الوقوع في فخ الوعود أو الاستعراض.

لم يكن ترشحه قائمًا على الوعود التقليدية، ولا على استنساخ الخطاب السائد، بل حمل في طياته محاولة لتقديم نموذج مختلف، يقوم على التخطيط بدل الارتجال، وعلى المسؤولية بدل المجاملة، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيث لم يعد مقبولًا أن تُدار الشأنات المحلية بذات الأدوات القديمة، ولا أن تبقى القرارات رهينة المزاج أو الظرف.

وفي قراءة أوسع، يمكن القول إن الفاعوري ينتمي إلى فئة من الرجال الذين لا يُعرّفون أنفسهم بالكلمات، بل بالمواقف، أولئك الذين يدركون أن الحضور الحقيقي لا يحتاج إلى تضخيم، وأن القيمة تُبنى بصمت، وتُثبت مع الوقت وهي صفات قد لا تجذب الانتباه سريعًا، لكنها تصنع فرقًا حقيقيًا على المدى البعيد، وتمنح صاحبها ثقلًا لا يُحدَّد بلحظة، بل بالاستمرارية.

كما أن ارتباطه بالمجتمع المحلي لم يكن ارتباطًا شكليًا، بل علاقة قائمة على فهم التفاصيل، وعلى إدراك التحديات اليومية التي يعيشها الناس، وهو ما يمنح أي تجربة عامة يخوضها بُعدًا واقعيًا بعيدًا عن التنظير، ويجعل من حضوره امتدادًا لحاجات الناس، لا مجرد تمثيلٍ لها.

كما أن حضور الدكتور المهندس مخلد الفاعوري لا يقتصر على الجانب الأكاديمي أو المهني فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي الذي يشكّل جزءًا أصيلًا من شخصيته فهو من الوجوه التي تحضر في المناسبات الاجتماعية، حيث يُعرف بقدرته على الحديث بثقة واتزان، وبأسلوب يعكس احترامه للتقاليد ووعيه بثقافة المجتمع حيث مشاركته في هذه المناسبات، لا سيما بين أقاربه وأبناء منطقته، تعكس قربه من الناس، وحرصه على أن يكون جزءًا من تفاصيلهم، لا مجرد اسم بعيد عنهم.

ورغم وجوده في الغربة، حيث يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن هذا البعد الجغرافي لم يُضعف صلته بمجتمعه، بل بقي حاضرًا في وجدان من يعرفه، متابعًا، ومشاركًا، وحريصًا على البقاء قريبًا من بيئته الأولى وهذه الازدواجية بين الاغتراب والانتماء تمنحه بعدًا إضافيًا، يجمع بين تجربة الخارج ودفء الداخل، ويعكس شخصية لا تنفصل عن جذورها مهما ابتعدت المسافات.

إن الحديث عن الدكتور مخلد الفاعوري هو، في جوهره، حديث عن نموذج يُراهن على العقل، ويثق بالفعل، ويؤمن بأن التغيير لا يأتي من الشعارات، بل من العمل المنهجي الذي يعرف أين يبدأ، وكيف يستمر، ومتى يصل، نموذج لا يبحث عن موقع بقدر ما يسعى إلى دور، ولا عن لقب بقدر ما يعمل على ترك أثر.

ختامًا ، لا يُعرف الرجال بما يقولونه عن أنفسهم، بل بما يبقى منهم بعد أن ينتهي الكلام، فهناك من يكتب حضوره بكثرة الكلام التي تختفي سريعًا، وهناك من يكتبه بهدوءٍ يبقى طويلًا ومخلد الفاعوري، في هذا السياق، يبدو أقرب إلى الفئة الثانية، أولئك الذين لا يحتاجون إلى لفت الانتباه، لأن ما يفعلونه كفيلٌ بأن يُرى، ولو بعد حين.