أبواقٌ بلا جذور: صراخ الخارج وارتجاف الداخل أمام صلابة الأردن

5 أبريل 2026
أبواقٌ بلا جذور: صراخ الخارج وارتجاف الداخل أمام صلابة الأردن

بقلم: هشام بن ثبيت العمرو

في زمنٍ انقلبت فيه المعارك من صليل السيوف وهدير المدافع إلى همس الخوارزميات وارتطام الكلمات المسمومة على شاشاتٍ باردة، غدا الاستهداف أكثر مكراً وأشدّ خفاءً، حتى ليحسبه الغافل رأياً عابراً وهو في حقيقته طعنةٌ مدروسة في خاصرة الأوطان. والأردن، بما يحمل من إرثٍ راسخ وموقعٍ عصيّ على الابتلاع، بات غرضاً لسهامٍ رقمية تُرمى من وراء الحجب، تتقن التلبيس وتُحسن التمويه، فلا تُبقي يقيناً إلا حاولت خلخلته، ولا ثقةً إلا سعت إلى نخرها نخر السوس في أعمدة البيوت العتيقة.

وليس ما يُبثّ من هجاءٍ مُسعَّرٍ على منصات التواصل محضَ انفعالٍ طارئ أو فوران رأيٍ منفلت، بل هو صنيعُ غرفٍ معتمة تُدار بعقولٍ باردة، تُجيد هندسة السرديات وتفصيل الأكاذيب على مقاس اللحظة، فتُجزِّئ الحقيقة حتى تبهت، وتنفخ في الهامش حتى يستطيل، وتُلبس الزيف لبوس الغيرة، فإذا العامّة بين مُرتابٍ ومُستلب. هنالك تُصاغ الرسائل كما تُصاغ السهام، دقيقة الإصابة، غايتها أن تُحدث في الوجدان شرخاً، وفي الوعي ارتباكاً، تمهيداً لزلزلةٍ يُراد لها أن تبدو تلقائية وهي أبعد ما تكون عن العفوية.

وفي هذا المشهد المتشابك، تتقاطع خيوطُ أجهزةٍ لا يخفى باعها في تفتيت المجتمعات، فتدفع بما تُجيده من اختراقٍ وتضليل، وتبثّ عبر أذرعٍ مُستترة خطاباً مُلغوماً يُمعن في الإرباك ويستثمر في كل ثغرة. وعلى الضفة الأخرى، تنشط ظلالُ مشروعٍ إقليميٍّ لا يهدأ له طموح، تُسخِّر جيوشاً من الحسابات والأصوات المأجورة، تُهاجم حيث يعترضها الموقف، وتُشيطن حيث يقف السدّ، فيلتقي المتنافران عند غايةٍ واحدة: إنهاك الأردن واستنزاف مناعته المعنوية، ولو اختلفت الرايات وتباينت الشعارات.

والمفارقة التي تُثير السخرية المرّة أن كثيراً من تلك الأبواق لا تُقيم حيث تُلقي مواعظها، ولا تكتوي بما تُحرِّض عليه؛ تراهم في عواصمٍ وادعةٍ من الغرب، أو في جغرافياتٍ مضطربةٍ يختلط فيها الدخان باليقين، يلوكون أحكاماً مُرسلة، ويُطلقون تعميماتٍ جزافاً، وقد عزلتهم المسافات عن إدراك التفاصيل، وحرّرتهم من تبعات القول، فاستسهلوا التجنّي واستمرأوا القذف، كأنما الوطن عندهم شاشةٌ تُطفأ وتُشغَّل، لا كيانٌ يُصان وتُحفظ حُرمته.

وتندسّ بين تلك الأصوات تنظيماتٌ رخوةُ العصب، مائعةُ الهوية، لا يُعرف لها أصلٌ فكريٌّ راسخ ولا مشروعٌ وطنيٌّ مُحكم؛ تتقلّب كما تتقلّب الريح، وتتماهى مع من يمولها، وتستعير قاموس الغضب لتُجيّش وتُهيّج دون أن تملك من الحلول غير الصخب. هي كياناتٌ تُستعمل أكثر مما تفعل، وتتحرّك ضمن إملاءاتٍ تُكتب خارج حدودها، فإذا تحدّثت بدا صوتُ غيرها في حنجرتها، وإذا صاحت كان صداها لجهاتٍ لا ترى في الأوطان إلا أوراقاً على طاولة مساومة.

وأمام هذا اللجّ المتلاطم، لا يسع الدولة إلا أن تُحسن الجمع بين الحزم والبصيرة؛ فتبني خطاباً رصيناً لا يُجاري الضجيج بل يعلوه بالحجة، ويُواجه التضليل ببيانٍ مُحكَم لا يترك فراغاً تتسرّب منه الشائعات. ويقع على عاتق مؤسساتها الأمنية، التي خبرت دروب الخطر واعتادت مقارعة المستحيل، أن تُوسّع ميدان اشتغالها ليطال هذا العدوان اللامرئي، فتتعقّب شبكاته، وتكشف أنماطه، وتُحبط مساراته قبل أن تتجذّر. وليس التشريع في هذا المقام ترفاً، بل ضرورةٌ تُوازن بين صون الحريات وتجفيف منابع العبث، بحيث يُصان الحق في القول ولا يُتَّخذ ستاراً للفوضى المقنّعة.

غير أن أشدّ ما يبعث على الأسى، بل يوقظ في النفس سخطاً مُرّاً كالعَلقم، أولئك الذين يلوكون لفظة “التسحيج” كلما ارتفعت حناجرُ الصادقين دفاعاً عن الوطن والقيادة، فيرشقون بها كل موقفٍ نقيّ، كأنما الغيرة على الديار نقيصة، وكأنما الوفاء جرمٌ يُدان. وهنا تنقلب الموازين عند ذوي البصائر؛ إذ يغدو ما يصفونه سُباباً وسامَ شرفٍ على صدور الأحرار، وشارةَ نبالةٍ لا يحملها إلا من استقامت سريرته، وصدق انتماؤه، واشتدّ عوده في الذبّ عن أرضه وقيادته. فليعلم أولئك أن “التسحيج” الذي يزعمون إنما هو عند الرجال لواءُ ذودٍ ودرعُ وفاء، وهو في حلوقهم غُصّةٌ مُرّة، تُذكّرهم كل حينٍ بضحالة ادعائهم وعراء دعاواهم.

ثم انظر إلى طائفةٍ أدهى وأمكر، تعيش بين ظهرانينا، تتفيّأ ظلال الوطن وتأكل من خيره، ثم لا تفتأ تغرس في خاصرته خناجرَ من زيفٍ مُموّه، تُكسى بثوب العفة وتتعطّر بعبارات الشرف، وهي في دخائلها عُرْيٌ من القيم، وتهافتٌ في المروءة، وتلوّنٌ يُزري بصاحبه. يعتلون منابر الوعظ الكاذب، ويُسفِهون المدافعين، ويُمارسون وصايةً جوفاء على الوطنية، فإذا فتّشت عن بواطنهم وجدتها مسكونةً بنَزَق الحقد، ومجبولةً على التملّق لغير أهلها، لا يثبتون على عهد، ولا يلوذون بمبدأ، يتزيّنون للناس بلباس الطهر، وهم في حقيقتهم أبواقُ نفاقٍ مُقنّع، وأدواتُ ابتزازٍ لفظيّ، يبتغون من وراء ضجيجهم مكاسبَ رخيصة أو رضاً مستعاراً من خارج الأسوار.

أولئك هم أشدّ خطراً من صريح الخصومة؛ لأنهم يُفسدون المعنى من داخله، ويُلوّثون المفاهيم حتى يلتبس الحق بالباطل. يطعنون ثم يعتذرون، ويُحرّضون ثم يتوارون خلف أقنعةٍ من وعظٍ مُفبرك، فإن قيل لهم اتقوا الله في وطنكم، تدرّعوا بشعاراتٍ برّاقة، وألقوا التُّهم جزافاً على من صدع بالحق، كأنما الوطنية عندهم صكّ امتيازٍ يحتكرونه، وكأنما غيرهم رعايا في حضرة أوهامهم.

ويبقى الرهان، بعد كل ذلك، على وعيٍ جمعيٍّ لا تنطلي عليه الحيل، يفرّق بين النقد الذي يُقوّم الاعوجاج، وبين التحريض الذي يُؤجّج الانقسام، ويدرك أن الكلمة قد تكون معول بناء كما قد تغدو أداة هدم. فالأوطان، مهما اشتدّت عليها الرياح، لا تنكسر ما دام في أهلها من يُحسن الإصغاء إلى الحقيقة، ويُحكم إغلاق منافذ الوهن، ويقف على الثغر بوعيٍ لا ينام. وفي هذا المعنى تتجلّى المناعة الحقّة: أن يُهزم الزيف في مهدِه، وأن تبقى للثقة جذورها الضاربة، لا تُزعزعها عواصفُ الافتراء ولا تُطفئها أبخرةُ التضليل.