ألاردن وصناعة التوازن بين صلابة الموقف وحكمة القيادة

ساعتين ago
ألاردن وصناعة التوازن بين صلابة الموقف وحكمة القيادة

د. هاني العدوان

فلسطين في الوعي الأردني هي جذر ممتد في تكوين الدولة، وامتداد مباشر لهويتها ودورها، حضورها في القرار الأردني ثابت لا يتبدل، يبرز في كل موقف، ويظهر في كل خطاب، ويتحول إلى فعل في الظروف الحاسمة، لذلك بقي الأردن السند الأكثر رسوخا والفضاء الذي يجد فيه الفلسطيني متنفسا حين تضيق به الجغرافيا والجهة التي تحمل القضية في المحافل الدولية بثقل الدولة ومسؤوليتها
وفي هذا الإطار انعقدت قمة جدة، محملة بأسئلة كبرى تتعلق بمصير الإقليم وباتجاهات الصراع وبقدرة العرب على إعادة الإمساك بزمام المبادرة، حيث جمع اللقاء جلالة الملك عبدالله الثاني مع سمو الأمير محمد بن سلمان وسمو الأمير تميم بن حمد، في لحظة تتشابك فيها خطوط النار، وتتداخل فيها الحسابات الدولية مع توازنات المنطقة، وتزداد فيها الحاجة إلى قرار عربي يمتلك وضوح الرؤية وصلابة التنفيذ
الموقف الأردني داخل هذا المشهد جاء واضحا لا يحتمل التأويل، حين تمسك جلالة الملك برفض لقاء نتنياهو، موقف يستند إلى قناعة راسخة بأن من يمعن في العدوان لا يمنح غطاء سياسيا، وأن احترام الدم الفلسطيني شرط لأي حديث، وأن العلاقة مع الاحتلال لا تدار بمنطق المجاملة، بل بمنطق الحق والكرامة
هذا الموقف يعكس نهجا أردنيا مستقرا، يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها محورا لا يمكن الالتفاف عليه، خاصة في ظل تصاعد الإجراءات الخطيرة، ومنها قرار الكنيست بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وهو تطور يكشف طبيعة هذا الكيان، ويضع الجميع أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتهم على المواجهة السياسية الفاعلة
وفي الاتجاه الآخر، حضرت المسألة الإيرانية بثقلها، حيث عبرت الدول العربية بوضوح عن رفضها لأي اعتداء ينطلق من أراضيها، مع تأكيدها في الوقت ذاته رفض أي تدخل خارجي في شؤونها، وهو موقف يوازن بين منع التصعيد وحماية السيادة، ويؤسس لقاعدة جديدة في التعامل مع التحديات الإقليمية
ورغم ذلك تجاوزت إيران كل الأعراف والقوانين الدولية وعلاقات حسن الجوار، وتمادت في اعتداءاتها على دول الخليج وعلى الأردن، في وقت ما زالت فيه الأطراف العربية المعتدى عليها تتحلى بأعلى درجات الانضباط السياسي والأخلاقي، فلم تندفع إلى ردود فعل متسرعة، ولم تنجر إلى توسيع دائرة الصراع، بل حافظت على موقفها الواضح بأنها لن تكون طرفا في حرب لا تعنيها، مع تمسكها بحقها الكامل في حماية أمنها وسيادتها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي
القمة في مجملها تفتح الباب أمام بناء موقف عربي أكثر تماسكا، يتجاوز حالة التباعد، ويتجه نحو صياغة رؤية مشتركة، تضمن حضورا عربيا مؤثرا في أي ترتيبات دولية تتعلق بوقف الحرب، وتمنع فرض حلول لا تراعي مصالح المنطقة، كما تعزز القدرة على مواجهة أي تهديد يمس أمن الدول العربية
الشارع العربي تابع هذه القمة بعين تتطلع إلى نتائج ملموسة، حيث ينتظر ترجمة هذا التقارب إلى خطوات عملية، تعيد التوازن إلى الإقليم، وتمنح العرب موقعا فاعلا في صناعة القرار، بدل الاكتفاء بمتابعة نتائجه
الأردن في هذا المشهد يمضي بثبات، يستند إلى قيادة تدير الملفات بعقل الدولة، وإلى مؤسسات قوية تعرف دورها، وإلى جيش وأجهزة أمنية تشكل الدرع الذي يحمي الاستقرار في بيئة شديدة التعقيد
المرحلة تتطلب وعيا داخليا يوازي حجم التحديات، والتفافا حقيقيا حول الدولة، ودعما للموقف السياسي الذي يقوده جلالة الملك، ووقوفا صلبا خلف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، لأن صلابة الجبهة الداخلية هي الأساس الذي تبنى عليه كل المواقف الخارجية
الأردن لا ينتظر موقعه في المعادلة بل يرسخه بالفعل، ويقدم نموذجا لدولة تعرف حدودها جيدا، وتعرف كيف تحميها، وتعرف متى تتقدم بثقة لتقول كلمتها