‏اللون الرمادي لن يستمر طويلا

26 مارس 2026
‏اللون الرمادي لن يستمر طويلا

جاسم بن ناصر ال ثاني
إبرام اتفاق قبل خراب الديار هو الخيار الأفضل
وعقيدة المماطلة التي تتبعها الدبلوماسية الإيرانية لن تجدي نفعًا

وأنا أراقب المحطات الإخبارية ومحلليها، أرى تناقضًا كبيرًا بين مؤيد ومعارض، وبين من يصور المواقف بأن أمريكا تنتصر أو إيران تنتصر، وبين من يحاول بناء سردية “غالب ومهزوم” قبل أن تكتمل معالم المشهد.

لكن، بعيدًا عن ضجيج التحليل الإعلامي، تبدو المؤشرات الأعمق أكثر وضوحًا:
الأمور تسير – تدريجيًا ولكن بثبات – في غير صالح إيران.

فنحن أمام قوى عظمى تستخدم آلة حرب متطورة وفتاكة، لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ، بل بمنظومات القيادة والسيطرة، والقدرة على الشلّ الاقتصادي، والحصار التقني، وتفوق الاستخبارات، وهي أدوات حسم لا تظهر دائمًا في مشاهد القصف، لكنها ترسم نتيجة الحرب في غرف مغلقة قبل أن تُعلن في الميدان.

ومع أنّ إيران قوة متطورة – إلى حد ما – في مجال الصواريخ، إلا أنها ضعيفة جداً في سلاح الطيران والدفاع الجوي وسلاح البحرية، وقد دُمّرت كلها في أول أسبوع مواجهة، لذا فهي قوة غير متكاملة وسماؤها مكشوفة تُقصف بشكل ممنهج وتدميري

وبالرغم أن إيران طورت الجانب الصاروخي، بوصفه الذراع الأسرع للوصول إلى معادلة ردع، كانت تسعى من خلالها إلى الاقتراب من عتبة السلاح النووي، لتكون أحد اللاعبين المتحكمين في الشرق الأوسط، وخاصة في الخليج، وأن تتحول إلى قوة مهيبة في ميزان القوى الإقليمي، في مواجهة تركيا وباكستان وإسرائيل، بل وأن تفرض نفسها وصيًا فعليًا على مضيق هرمز

هذا الطموح لم يكن خافيًا على أمريكا والخليج وإسرائيل، وإن اختلفت الأولويات لأمريكا في ضمان الأمن، فأمن إسرائيل أولاً بالتأكيد، ولكن كذلك استقرار دول الخليج ومصادر الطاقة والعلاقات المتطورة مع أمريكا منذ عقود يشكل أيضًا مصدر اهتمام

وبمراقبة المنشآت النووية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تبيّن أن إيران لديها مواقع سرية تطوّر من خلالها تخصيب اليورانيوم وتسعى لبناء سلاح نووي

هذا التناقض بين الإعلان والإخفاء، بين الرقابة والالتفاف عليها، هو ما خلق حالة “الشك الاستراتيجي” التي دفعت إدارة دونالد ترامب، والحزب الجمهوري، إلى تبني رواية إسرائيل ومخاوفها، والاقتناع بأن إيران قد تصبح خارج السيطرة خلال فترة قصيرة، ربما خلال أشهر، وليس سنوات.

وهنا تبدأ نقطة التحول:
حين تتحول “الشكوك” إلى “قناعة أمنية”، تتحول الدبلوماسية إلى ضغط، والضغط إلى مواجهة.

ورغم قسوة هذا المشهد، قد تبدو المفارقة صادمة:
قد تكون هذه الحرب – في مآلاتها النهائية – في صالح الخليج وإيران مستقبلاً، حيث تتحول من دولة صانعة للشر في المنطقة، وخاصة الخليج، إلى دولة شريكة في التنمية تعتمد سياسة حسن الجوار وتنهي أيديولوجية الضلال

ومن المرجح أن تنتهي هذه الحرب – أو هذا المسار التصعيدي – بقبول إيران بجملة من التحولات الكبرى:
التخلي عن البرنامج النووي بصيغته الحالية،
تقليص برنامج الصواريخ بعيدة المدى،
إعادة ضبط علاقتها بأذرعها في المنطقة، التي تستنزفها ماديًا وسياسيًا دون عائد استراتيجي حقيقي،
والتراجع عن مشروع الهيمنة الإقليمية

كما قد نشهد تثبيت معادلة دولية جديدة تتعلق بمضيق هرمز، بحيث يُرفع عنه منطق التهديد، ويُدار ضمن اتفاقيات دولية تُجرّم أي محاولة لإغلاقه أو العبث بأمنه، باعتباره شريانًا عالميًا لا يحتمل أن يكون ورقة ضغط في يد أي طرف.

الخلاصة التي لا يجب أن يعيها الساسة في إيران أن المنطقة لم تعد تحتمل مشاريع كبرى غير مكتملة،
ولا دولًا تعيش على حافة “اللون الرمادي”.

فالرمادي – في لحظات التحول الكبرى – ليس منطقة أمان،
بل مرحلة مؤقتة…
سرعان ما تُجبر الجميع على الاختيار.

د.جاسم بن ناصر آل ثاني