بقلم المهندس حسين الصرايرة
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يتكرر مشهد مألوف في الفضاء العام من تحذيرات متسارعة، تحليلات متعجلة، وسيناريوهات سوداوية تتحدث عن انقطاع وشيك للكهرباء، وكأن المنظومة الوطنية تقف على حافة الانهيار. ومع الحديث عن تداعيات الحرب وتأثر إمدادات الغاز في المنطقة، عاد هذا الخطاب بقوة، مستنداً في كثير من الأحيان إلى مقارنة سريعة مع تجربة مصر في توزيع الأحمال. غير أن هذه المقارنة، رغم جاذبيتها الإعلامية، لا تعكس الواقع الفني لمنظومة الطاقة في الأردن.
ما جرى في مصر كان نتيجة عجز فعلي في التوليد، فرضته محدودية إمدادات الغاز الطبيعي، وعدم وجود تنوع طاقي كاف يتناسب مع حجم الاستهلاك فبينما الأردن يستهلك قرابة ٤ جيجا واط مصر تحتاج ٤٠ جيجا واط، أي ١٠ أضعاف الحاجة الأردنية، ما أدى إلى عدم قدرة محطات الكهرباء على تلبية الطلب القائم. في تلك الحالة، لم يكن توزيع الأحمال خياراً لدى المصريين، إنه ضرورة تشغيلية لتفادي انهيار كامل للشبكة، كما حدث في الأردن الصيف الماضي إذا كنتم تذكرون.
أما في الأردن، فإن الحديث يدور حول احتمال ارتفاع كلفة الوقود أو تعقيد سلاسل التوريد، لا حول انقطاعها الكامل. وهذه نقطة فارقة كثيراً ما يتم تجاهلها في النقاش العام. فهندسياً، ثمة فرق جوهري بين نظام يعجز عن إنتاج الكهرباء لغياب الوقود، ونظام قادر على الإنتاج لكنه يواجه كلفة أعلى.
لقد طوّر الأردن خلال السنوات الماضية منظومة كهربائية أكثر مرونة مما يُصوَّر في بعض الخطابات المتداولة. فمحطات التوليد الرئيسية تمتلك في جزء منها القدرة على العمل على أنواع وقود بديلة، كما أن البنية التحتية للغاز المسال عبر ميناء العقبة توفر خياراً إضافياً في حال تعثرت بعض الإمدادات. هذه المرونة لا تلغي التحديات، لكنها تقلل بشكل كبير من احتمالية الانزلاق السريع نحو سيناريوهات الانقطاع الشامل أو حتى المبرمج.
إن توزيع الأحمال ليس إجراءً احترازياً يُتخذ بسهولة، وإنما مؤشر على وصول المنظومة إلى حالة عجز حقيقي عن تلبية الطلب. ولكي يصل الأردن إلى هذه المرحلة، لا بد من توافر سلسلة من العوامل المتزامنة، تشمل انقطاعاً واسعاً وممتداً لإمدادات الوقود، وعدم القدرة على التعويض عبر البدائل، إلى جانب ضغوط تشغيلية إضافية. وهذه شروط مركبة لا يمكن افتراض تحققها بمجرد وجود توتر إقليمي، هذه الحالة تتطلب انهياراً فعلياً في منظومة التزوّد بالطاقة، وهو ما لا تشير إليه المعطيات الحالية، لا سيما أن مخزون الطاقة الأردني في حال الانقطاع التام للتوريد يستمر ٣٠ يوماً، أي من لحظة انقطاع مصادر الطاقة تماماً، وهو رقم لا يبدأ العد العكسي فيه إلا وفقط إلا توقفت كل مصادر الطاقة الأخرى، أي أن الثلاثين يوماً هذه تكون بعد صافرة الحكم وليست قبلها.
المفارقة أن النقاش العام ينصرف في كثير من الأحيان إلى سيناريو “هل ستنقطع الكهرباء؟”، بينما يتجاهل السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً: ما كلفة استمرار التزوّد بالطاقة في ظل هذه الظروف؟ فالتحدي الحقيقي الذي قد يواجه الأردن ليس في توفر الكهرباء بحد ذاته، وإنما في كلفتها الاقتصادية، وانعكاس ذلك على المالية العامة والتعرفة مستقبلاً. وهذه قضية تستحق نقاشاً أكثر جدية وعمقاً من الاكتفاء بترويج سيناريوهات انقطاع لا تستند إلى معطيات فنية كافية.
إن التهويل في مثل هذه القضايا لا يخدم المصلحة العامة، تماماً كما أن التهوين غير المدروس لا يخدمها أيضاً. المطلوب هو خطاب عقلاني يميّز بين المخاطر المحتملة والوقائع الفعلية، ويستند إلى قراءة تقنية دقيقة بعيداً عن الإسقاطات السريعة والتعميمات المضللة. فإدارة الأزمات لا تبدأ بإثارة القلق، لكن ببناء فهم صحيح لطبيعتها وحدودها.
يجب أن ندرك أن الأردن لا يقف اليوم على أعتاب “العتمة” كما يحلو للبعض أن يصوّر، بل يواجه تحدياً مختلفاً، عنوانه إدارة كلفة الطاقة في بيئة إقليمية مضطربة. وهذا تحدٍ حقيقي، لكنه لا يبرر القفز إلى استنتاجات غير دقيقة حول انقطاع وشيك للكهرباء. وبين الهندسة والسياسة، تبقى الحقيقة أبسط مما يُقال؛ القدرة على الإنتاج قائمة، أما التحدي فهو في كلفة هذا الإنتاج، لا في وجوده.






