أ.د. أماني غازي جرار
في لحظات التأمل التي تتيحها المناسبات الشخصية الكبرى، لا يعود الاحتفاء بعيد الميلاد مجرد محطة زمنية في حياة فرد، بل يصبح فرصةً للتوقف أمام مسارٍ فكري وإنساني ترك أثراً عميقاً في المجال العام. وعندما يتعلق الأمر بسمو الأمير الحسن بن طلال، فإن الحديث يتجاوز الإطار الشخصي ليصبح حديثاً عن تجربةٍ فكرية متصلة، وعن عقلٍ اختار أن يجعل الإنسان مركز اهتمامه وقضيته الأولى. لقد عُرف سمو الأمير الحسن بوصفه واحداً من أبرز الأصوات الفكرية في العالم العربي، صوتاً يوازن بين الحكمة والتعقّل، وبين المعرفة والمسؤولية، ويضع القيم الإنسانية في قلب الرؤية السياسية والثقافية. لقد اختار سمو الأمير الحسن، عبر مسيرته الطويلة في العمل العام والفكري، أن ينحاز إلى الإنسان بوصفه القيمة العليا التي ينبغي أن تُبنى حولها السياسات والمؤسسات والمشاريع الحضارية. ففي خطاباته ومقالاته ومبادراته الفكرية، يتكرر حضور الإنسان باعتباره الغاية النهائية لكل مشروع تنموي أو حضاري، وباعتباره كذلك المقياس الأخلاقي الذي تُقاس به جدوى السياسات العامة واتجاهاتها. ومن هنا يمكن فهم العنوان الذي يلخّص هذه المسيرة: عقلٌ اختار الإنسان، لا بوصفه شعاراً عاطفياً، بل بوصفه خياراً معرفياً وأخلاقياً واعياً.
إن فكر سمو الأمير الحسن يقوم على قناعةٍ راسخة بأن التعقّل هو الطريق الأكثر أمناً في عالمٍ يزداد اضطراباً، وأن الحوار والمعرفة المشتركة هما السبيل لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً. ولهذا ظلّ سموه يدعو باستمرار إلى ثقافة التفكير الرشيد، وإلى بناء جسور التواصل بين الحضارات والثقافات، وإلى تعزيز قيم الاعتدال والاحترام المتبادل. وفي زمنٍ تتصاعد فيه النزعات الإقصائية والانفعالات السريعة، تبدو هذه الدعوة إلى التعقّل أشبه ببوصلةٍ أخلاقية وفكرية تشير إلى الطريق الممكن للخروج من أزمات الحاضر. ومن هذا المنظور، فإن الاحتفاء بعيد ميلاد سمو الأمير الحسن ليس مجرد احتفاءٍ بعمرٍ يزداد رقماً، بل هو احتفاءٌ بمسارٍ فكري متواصل، وبعقلٍ ظلّ يذكّرنا بأن الإنسان هو الغاية، وأن التعقّل هو المنجاة، وأن المعرفة هي الطريق الذي يمكن أن يقود المجتمعات نحو مستقبلٍ أكثر إنصافاً وتوازناً.
سيدي حسن…
وفي عيد ميلادكم، لا يبدو الاحتفاء بسنوات العمر سوى احتفاء بمسارٍ من التعقّل الذي اختار الإنسان، وبعقلٍ ظل يفتح أبواب الحوار، ويرى في التنوع الإنساني ثراءً لا تهديداً، وفي المعرفة والحوكمة المعرفية جسراً بين الشعوب لا أداةً للانقسام. ولهذا فإن الكثيرين يرون في حضوركم الفكري تذكيراً دائماً بأن الحكمة ليست مجرد موقفٍ فكري، بل مسؤولية مستمرة تجاه الإنسان ومستقبل المجتمعات.
وإذا كان الكثيرون يقرؤون الفكر بوصفه تنظيراً مجرداً، فإن تجربتكم تقدم مثالاً مختلفاً، حيث يلتقي الفكر بالفعل الإنساني، وتلتقي الحكمة بالالتزام بقضايا الناس. وبهذا يتبادر إلى ذهني، صاحب سمو الأمير، ذلك المعنى الإنساني العميق الذي حملته قصة الأمير السعيد (The Happy Prince) للأديب الإيرلندي أوسكار وايلد، حيث يكتشف الأمير، حين يرى العالم من موقعٍ واسع للرؤية، أن القيمة الحقيقية لا تكمن في مظاهر البهاء التي تحيط بالإنسان، بل في قدرته على تحويل ما يملك إلى عطاء، وعلى أن تتحول الرؤية إلى تعاطف ورحمة مع الآخرين. وربما لهذا السبب ظل خطابكم الفكري يذكّرنا بأن الإنسان يجب أن يبقى في مركز كل مشروع حضاري، وأن المعرفة التي لا تنحاز إلى الإنسان تبقى معرفةً ناقصة، لأن الحكمة في جوهرها ليست تراكم أفكار فحسب، بل التزامٌ أخلاقي يجعل العقل أقرب إلى معاناة البشر وآمالهم.
وفي الختام، تبدو مناسبة عيد ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال أكثر من مجرد احتفاءٍ بمرور الأعوام؛ إنها لحظة تأملٍ في مسارٍ فكري ظلّ وفياً لفكرةٍ جوهرية مفادها أن الإنسان هو الغاية الأولى لكل مشروع حضاري. لقد علّمنا سمو الأمير، عبر كتاباته وخطاباته ومبادراته الفكرية، أن العقل لا يبلغ كماله إلا عندما يقترن بالتعقّل، وأن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تفتح الطريق أمام الرحمة والعدالة والكرامة الإنسانية. وفي عالمٍ تتسارع فيه التحولات وتتضاعف فيه التحديات، يصبح هذا الصوت الداعي إلى الحكمة والإنصاف ضرورةً أخلاقية لا ترفاً فكرياً. ولعل ما جاء في كلمات سموه بمناسبة استقبال شهر الصيام يختصر هذه الفلسفة الإنسانية، حين أشار إلى أن هذا الشهر ليس مجرد طقسٍ زمني عابر، بل مدرسة أخلاقية تعيد الاعتبار للقيم المؤسسة لحياتنا المشتركة، حيث تتقدم الرحمة على القسوة، ويعلو معنى العدالة على منطق الغلبة، ويظل الإنسان القيمة التي ينبغي أن تنتصر في النهاية. ومن هنا فإن فكر سمو الأمير الحسن يذكّرنا دائماً بأن تجديد العهد مع إنسانيتنا الجامعة ليس فكرة مثالية بعيدة، بل ضرورة وجودية تمليها مسؤوليتنا تجاه حاضرنا ومستقبل أجيالنا. ولهذا يبقى حضوره الفكري علامةً على عقلٍ اختار الإنسان طريقاً، وعلى حكمةٍ ترى في التعقّل السبيل الأصدق لعبور الأزمنة الصعبة.
سيدي حسن…
أسأل الله أن يطيل عمر سموكم، بالصحة والعافية، ليبقى عقلكم الحكيم منارةً للإنسان والإنسانية.
العقل الذي اختار الإنسان: في عيد ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال






