نضال الثبيتات العمرو.
النقاش السياسي في أي دولة لا يمكن أن يقوم على فكرة أن الوطنية مفهوم سائل بلا حدود أو معايير، فالدولة ليست فكرة تجريدية في الهواء، بل كيان سياسي له سيادة ومصالح وأمن واستقرار؛ لذلك فإن الحديث عن الوطنية لا ينفصل عن هذه الحقائق؛ كل مجتمع سياسي في العالم يضع حدود واضحة بين الرأي السياسي المشروع، مهما كان حاد أو معارض، وبين الموقف الذي يتحول إلى اعتداء على مصلحة الدولة نفسها؛ فهذا ليس قمعا للفكر، بل قاعدة أساسية من قواعد بقاء الدول.
حرية الرأي قيمة أساسية في الحياة العامة، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى مظلة تبرر كل خطاب سياسي مهما كانت نتائجه أو اتجاهاته؛ فالسياسة ليست تمرين لغوي، ولا مجرد سجال في الفضاء العام، بل هي مواقف تنتج آثار واقعية على استقرار الدولة ووحدتها ومصالحها العليا؛ فعندما يتحول الرأي إلى خطاب يضعف الدولة أو يشكك في شرعيتها أو يفتح الباب لمشاريع تستهدفها، فإن المسألة تتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي في الرأي والموقف السياسي، وتدخل في منطقة أخرى تماما لا يمكن تسميتها في القاموس السياسي إلا باعتبارها موقف معادي لمصلحة الوطن.
التجربة السياسية الحديثة تثبت أن الدول التي تخلت عن هذه المعايير دفعت ثمناً باهظاً؛ فالفوضى تبدأ غالباً من لحظة الخلط بين النقد السياسي المشروع وبين الخطاب الذي يهدم أسس الدولة؛ النقد مطلوب لأنه يصحح الأخطاء ويكشف الخلل ويمنع التكلس في مؤسسات الحكم؛ لكن النقد الذي يتحول إلى منصة لضرب الاستقرار أو التشكيك في فكرة الدولة نفسها لا يمكن اعتباره جزء من الحياة السياسية الطبيعية؛ لأن الخلط بين هذين المستويين هو أحد أخطر الأخطاء في النقاش العام؛ فليس كل رأي سياسي مهما كان محتواه يمكن وضعه تحت مظلة الحرية دون مساءلة.
المجتمعات السياسية المتماسكة تدرك أن الحرية تقترن دائما بالمسؤولية، وأن الرأي السياسي لا يعيش في فراغ أخلاقي أو وطني؛ فهناك دائما معيار أعلى يحكم النقاش، وهو مصلحة الدولة واستقرارها؛ فالسياسة المسؤولة لا تبدأ من إطلاق الشعارات الواسعة عن الحرية، بل من إدراك أن الدولة هي الإطار الذي يحمي الجميع؛فعندما تتعرض مصالح هذا الإطار للخطر، يصبح الدفاع عنه واجب سياسي وأخلاقي قبل أن يكون موقف أيديولوجيا؛ لهذا السبب تميز كل الدول بين المعارضة التي تعمل داخل إطار الدولة وبين الخطاب الذي يتحول إلى أداة لإضعافها.
الوطنية في جوهرها ليست شعور عاطفي ولا شعار يرفع في لحظات الانفعال؛ هي وعي سياسي عميق بمعنى الدولة وبخطورة العبث باستقرارها؛ لذلك فإن الاختلاف في الرأي السياسي يظل حق طبيعي ما دام يتحرك داخل هذا الوعي، وما دام لا يتحول إلى موقف يضر بمصالح الوطن أو يفتح الطريق أمام مشاريع تستهدفه؛ أما عندما يتجاوز الخطاب السياسي هذا الحد، فإن القضية لا تعود خلافاً في الرأي، بل تصبح مسألة تتعلق بالولاء للدولة نفسها؛ في تلك اللحظة يتغير التوصيف، لأن السياسة في نهاية المطاف لا تقاس بالكلمات بل بالنتائج التي تصنعها على أرض الوطن.






