صندوق استثمار الضمان الاجتماعي بين اللغو واللهو والإلهاء

ساعتين ago
صندوق استثمار الضمان الاجتماعي بين اللغو واللهو والإلهاء

د. عادل يعقوب الشمايله

تابعَ معظمُ الأردنيين الحوارَ المتشنج بين مشتركي الضمان الاجتماعي والمتشيعين لهم من جهة، وممثلي الصندوق ومؤسسة الضمان الاجتماعي والحكومة والمتشيعين لها من جهةٍ أخرى.

للأسف غلبَ على أغلبِ الحوار اللغوُ من الطرفين، واللهوُ من الطرف الحكومي. ما صدر عن المشتركين في الضمان، جزءٌ منه انطباعاتٌ وانفعالاتٌ وردّاتُ فعلٍ وتخوفات، وجزءٌ منه حقائقُ ساطعة.
من جهةٍ أخرى، فإن ما صدر عن ممثلي الحكومة ومؤسسة الضمان الاجتماعي وصندوق الاستثمار جزءٌ منه لغو، والباقي لهوٌ وتضليل. فالأرقام عن العوائد العالية، بالأرقام المطلقة وبالنسب التي حققتها استثمارات الصندوق، لا تمتُّ للتحليل الاقتصادي السليم بصلة. إذ عُرضت بصيغة المبالغة بهدف طمأنة المتخوفين المتحسرين على مستقبل الصندوق، وبالنتيجة على المستوى المعيشي لعائلاتهم المهدد بصورةٍ جدية.

هدف هذا المقال إظهارُ الحقيقةِ دون انحيازٍ لطرف، مستخدماً البيانات الرسمية، ولكن باتباع أدوات التحليل السليمة والصحيحة وذات المصداقية.
أُنشئ صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي (SSIF) لإدارة واستثمار ما تجبيه مؤسسة الضمان الاجتماعي من اشتراكات المؤمنين العاملين في القطاعين العام والخاص.
مهمة إدارة الصندوق اختيار فرص الاستثمار التي تحقق أعلى معدلات العوائد والأرباح الممكنة بأدنى حد من المخاطرة، وتجنب الدخول في الاستثمارات التي يُحتمل فيها الخسارة، حتى تتمكن مؤسسة الضمان من الوفاء بالتزاماتها قصيرة وطويلة الأجل وفق معايير عالمية لإدارة صناديق التقاعد.

بلغ إجمالي موجودات صندوق الاستثمار في نهاية عام ٢٠٢٥ حوالي 18.6 مليار دينار، بينما بلغ في عام ٢٠٢٤ نحو 17.3 مليار دينار، علماً أن الصندوق قد بدأ بمبلغ 1.6 مليار دينار عام 2003.

الزيادةُ في مبلغ موجودات الصندوق تعودُ لمصدرين: الأول عوائد الاستثمار التراكمية وتبلغ 10.6 مليار دينار منذ إنشائه، و6.2 مليار دينار تحويلات من فوائض الاشتراكات التي تجبيها مؤسسة الضمان الاجتماعي. وبتقسيم مجمل العائد المتراكم على مبلغ الاستثمار فإن معدل العائد السنوي على مدى ٢٢ عاماً يكون 2.6% بالأسعار الجارية، أو ما يعادل نصف بالمائة (1/2%) بالأسعار الحقيقية، أي ليس بعيداً عن الصفر تقريباً.

أما النمو في موجودات الصندوق خلال العام من ٢٠٢٤ وحتى ٢٠٢٥ فقد بلغ 1.3 مليار، أي ما نسبته 7.5% بالأسعار الجارية. فإذا ما خُصمت نسبة التضخم فإن نسبة النمو الحقيقي 5% فقط.

غير أن من الضروري توضيح أن مبلغ النمو في موجودات الصندوق ليس ناجماً عن كفاءة النشاط الاستثماري للصندوق وإدارته، حيث ينقسم مصدر زيادة الموجودات إلى 809.6 ملايين تمثل الدخل الشامل لاستثمارات الصندوق، والباقي تحويلٌ من مؤسسة الضمان الاجتماعي من فائض الاشتراكات. وبذلك تكون نسبة النمو في الموجودات الناتجة عن استثمارات الصندوق 4.7% بالأسعار الجارية، وفقط 2.7% بالأسعار الحقيقية.

بحسب بيانات الصندوق عن 2025 فقد توزعت استثمارات موجودات الصندوق على النحو التالي:

١- أدوات السندات: بلغ مجموع ما استُثمر في شراء السندات 10.3 مليار دينار، وغالبها إن لم يكن كلها بمثابة ديون على الحكومة. واستناداً إلى ما ورد على لسان رئيس مجلس إدارة الصندوق، فقد بلغ العائد التراكمي من الاستثمار في السندات خلال ٢٢ عاماً (4.9) مليار دينار. للوهلة الأولى يبدو المبلغ كبيراً، وهذا ما قصد رئيس المجلس الوصول إليه من ذكر الرقم، إلا أنه بتقسيم هذا العائد على فترة الاستثمار بدءاً من عام ٢٠٠٣، أي ٢٢ عاماً، فإن معدل العائد السنوي لم يتجاوز 2.16% بالأسعار الجارية، أو (-2%) بالأسعار الحقيقية. هذا يعني أن العائد الحقيقي سلبي، والاستثمار فاشل.

٢- الأسهم: بلغ حجم الاستثمار في أسهم الشركات (3.6) مليار دينار. حققت الأسهم 158.3 مليون دينار عام ٢٠٢٥، وبذلك يكون العائد السنوي على الاستثمار في الأسهم 4.4% بالأسعار الجارية، أو 1.9% بالأسعار الحقيقية، أي أقل من 2%.
أما في عام ٢٠٢٤ فقد بلغ العائد 222.3 مليون دينار، أو ما نسبته 6% بالأسعار الجارية، أو ما يعادل 3.5% بالأسعار الحقيقية.

٣- أدوات السوق النقدي: بلغ حجم الاستثمار فيها نحو (2.03) مليار دينار، وحقق 105 ملايين دينار كعائد، أي ما نسبته 4.6% بالأسعار الجارية، أو ما يعادل 2.1% فقط بالأسعار الحقيقية.

٤- العقارات والاستثمارات السياحية: استُثمر في العقارات على مدى (٢٢) عاماً ما يقارب (1.21) مليار دينار. حقق الاستثمار عائداً تراكمياً قدره (290) مليون دينار. وبتقسيم العائد على (٢٢) عاماً، وهي فترة الاستثمار، فإن معدل العائد يبلغ (1.2%) بالأسعار الجارية، أو (-1%) بالأسعار الحقيقية، أي نمو سالب، أي خاسر.

تشير الدراسات الاكتوارية في العديد من الدول إلى أنه يُشترط لاستدامة صناديق استثمار أموال المشتركين ألا يقل العائد السنوي عن ٤٪ بالأسعار الحقيقية. وحيث إن العائد على استثمارات صندوق الضمان الاجتماعي الأردني لم يحقق نصف المعدل، فإن الضغط الإكتواري متوقع، وأنَّ الخشيةَ والقلقَ على مستقبل الصندوق لهما ما يبررهما بل ويسندهما. ومن حق المشتركين أن يتخوفوا من أن تؤول تقاعداتهم المنتظرة إلى ذات المصير الذي آلت إليه تقاعدات المشتركين في صناديق النقابات المهنية، التي ذهبت مع الريح، ولم يُعاقَب أحد، ولم يهبَّ لنجدتهم أحد.

سؤال برسم الإجابة: هل كان توقيت تعديل قانون الضمان الاجتماعي مقصوداً لإلهاء الشعب عن حدثٍ ما؟ ذلك أنه لم يكن من الحكمة إجراء التعديل في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والإقليمية والعالمية السائدة، غير المعلوم نتائجها