د. محمد عبد الله القواسمة
اقتربت المدرسة. سيلتحق بالصف الرابع الابتدائي. شكا لأمه بأنه لا يحب المدرسة. دهشت من قوله، وهو من الأوائل في صفه، وسألته عن السبب. أجاب بأنه يأتي المدرسة حافي القدمين وبملابس بالية، في حين أن بعض زملائه من الكسالى يأتون بملابس وأحذية جديدة. طمأنته بأن والده سيصحبه إلى المدينة، ويشتري له حذاء جديدًا، كما أنها انتهت من خياطة بنطلون له من أحسن أنواع القماش.
في اليوم التالي أيقظه والده عند الفجر، ليذهبا إلى المدينة، ليشتري له حذاء جديدًا، ففي المخيم لا توجد محال تجارية لبيع الملابس والأحذية، بل دكاكين صغيرة لبيع المواد التموينية البسيطة. سيذهبان على الأقدام؛ لتوفير أجرة الباص لصالح الحذاء المنوي شراؤه.
وصلا إلى المدينة بعد محطات استراحة على الطريق، وسار ممسكًا بيد أبيه في شارع المدينة الرئيسي. لفت انتباهه أن الناس جميعهم يضعون في أرجلهم أحذية، بخلاف الناس في المخيم، فمعظمهم يسيرون حفاة الأقدام، كما أثارت دهشته كثرة المحال التجارية التي تمتلئ بمختلف البضائع.
دخل مع والده محل بيع للأحذية. أحس بالمهانة وقدماه تتمسكان بحذاء مهترئ، ربط أحد جانبيه بسلك حديدي حتى لا يفلت من قدمه. تمنى لو انه يملك مثل والده بسطارًا عسكريًا، حتى لو كان قديمًا وثقيلًا. لم ينتظر حتى يطوف في المحل ليختار الحذاء المناسب، حتى سحبه والده إلى الخارج:
– الأحذية هنا لا تناسبنا يا ابني.
مرا بمحل للحلويات، رجا والده أن يشترى له قطعة من الكنافة المعروضة على صوان أمام المحل. تردد قليلًا. إذا اشترى كنافة قلت قروش الحذاء، وإذا لم يفعل يتألم؛ لأنه لم يحقق لولده ما يرغب فيه؛ فما وظيفة الأب إلا تحقيق ما يحتاجه أولاده. اشترى نصف أوقية من الكنافة، وجلس إلى طاولة قبالة ولده ينظر إليه بفرح.
ثم انتقلا إلى سوق الأحذية. وقف أمام محل يتفحص الأحذية المعروضة بأسلوب مغر. قال لوالده إنه لم يشاهد مثل هذي الأحذية في أقدام أبناء صفه. ضحك الوالد بتكلف، وقال وهو يمسك بيده:
– لهذا لا بد أن نرى محلًا غيره.
ابتأس لكنه سار مع والده. في نهاية السوق دخلا محلًا، بدا متواضعًا في بضاعته. عرض البائع أنواعًا من الأحذية. اختار الوالد واحدًا منها وقال لابنه أن يضعه في رجله. مشى في المحل، وجده مناسبًا ومريحًا لقدميه. سأل والده البائع عن الثمن، فقال بثلاثة دنانير. قال الوالد:
– إذا بعته لنا بدينار ونصف تكون متفضلًا علينا.
احمر وجهه وصاح:
– بخست بضاعتنا يا رجل والله يقول:» لا تبخسوا الناس أشياءهم»؟
قال بلطف:
– صحيح يا أخي، لكن هذا ما أقدر عليه.
– يفتح الله يا رجل.
انتقل به والده إلى محل آخر. اختار البائع حذاء على مقياس قدميه. كان مناسبًا تمامًا. أعجب به. سأل الوالد عن ثمنه. أجابه البائع بثلاثة دنانير. قال إنه لا يملك منها غير دينار ونصف.
قال البائع:
– أنتم الفلاحون لا تعرفون البضاعة الجيدة من الرديئة. هذه صناعة يدوية متقنة ورثناها عن الأجداد. لا تقدرون على شرائها. اذهب إلى سوق البالة تجد فيها ما يناسبكم.
قال الوالد بهدوء:
– لا أظن أنك ستحشر مع النبيين والشهداء.
– ما دخلك إن شاء الله أدخل مع الشياطين.
مضى وقت طويل وهما يتنقلان من محل لآخر. لم يعثر الوالد على حذاء يناسب ما تبقى معه من مال.
قال:
– لو لم آكل الكنافة يا أبي لاشترينا حذاء!
قال الوالد:
– حالتنا يا ابني لا تسمح بشراء حذاء من هذي المدينة. الله يلعن الفقر ما أشنعه!
أدرك الضعف الذي عليه والده. كره المدينة، وندم على مجيئه مع والده. ولم يعد يرغب في حذاء جديد؛ فهو ليس أفضل من أبناء صفه في المخيم؛ فكلهم حفاة الأقدام إلا بعض الأثرياء.
طلب من والده العودة إلى البيت؛ فقد تعب من المشي، وجرح رجله السلك الذي ربط به الحذاء.
قرر الوالد أن يشترى كنافة للبيت؛ كي تتذوق العائلة طعمها، ويعودا إلى البيت في الباص هذه المرة.
في البيت قالت أمه بألم وحزن، وفي آخر الشهر تتدبر الأمر من رهن كرت المؤن، أو بيع الحطب الذي تنوي جمعه من الجبال المحيطة بالمخيم. هز رأسه بأسى. لقد رسخ في ذهنه ما قاله تاجر الأحذية لوالده، «لا تبخسوا الناس أشياءهم» فسأل والده:
– هل بخسنا التاجر بضاعته، يا أبي؟
– يا ابني كثير من التجار يستخدمون الدين لبيع بضاعتهم بثمن عال، وللأسف نحن نستخدم الدين في الصبر عليهم.
– لا أريد حذاء يا أبي. حذائي يمكن إصلاحه..






