بقلم: خالد الشوبكي
ليس في الدولة ما هو أعلى من الدستور، وليس في الحياة السياسية ما هو أقدس من الإرادة الشعبية التي نصّ عليها الدستور صراحة في مادته (24): الأمة مصدر السلطات.
هذه ليست عبارة إنشائية، ولا جملة بروتوكولية تُتلى في المناسبات، بل قاعدة تأسيسية تعني أن كل سلطة في الدولة — تنفيذية كانت أم تشريعية — تستمد مشروعيتها من الشعب، وتبقى خاضعة لرقابته عبر ممثليه.
حين نتحدث عن المال العام، فنحن لا نتحدث عن أرقام في موازنة، بل عن حقوق الأردنيين، عن تعبهم واشتراكاتهم وعرقهم، عن مؤسسات وطنية وُجدت لتأمين الحماية الاجتماعية لهم، وفي مقدمتها مؤسسة الضمان الاجتماعي.
النص الدستوري واضح… فهل الإرادة واضحة؟
تنص المادة (44) من الدستور على أنه لا يجوز للوزير أثناء توليه الوزارة أن يشتري أو يستأجر شيئًا من أملاك الدولة، ولو في المزاد العلني، كما لا يجوز له أن يكون عضوًا في مجلس إدارة شركة، أو أن يشترك في أي عمل تجاري أو مالي، أو أن يتقاضى راتبًا من أي شركة.
النص حاسم.
لا يحتمل تأويلاً.
ولا يترك مساحة لاجتهاد سياسي أو إداري.
فإذا ثبت — عبر الإعلام أو تقارير رسمية — وجود تجاوزات تمس المال العام أو مخالفة صريحة لهذه الأحكام، فإن السؤال لا يُوجَّه إلى الحكومة فقط، بل إلى مجلس النواب نفسه:
أين هو من المواد (55)، (56)، (57) من الدستور؟
المادة (55) تنص على محاكمة الوزراء عمّا يُنسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأدية وظائفهم أمام المحاكم النظامية المختصة في العاصمة.
والمادة (56) تعطي مجلس النواب حق إحالة الوزراء إلى النيابة العامة مع بيان الأسباب المبررة لذلك، وبأغلبية أعضائه.
أما المادة (57) فتوجب وقف الوزير عن العمل حال صدور قرار الإحالة.
هذه النصوص ليست للزينة الدستورية، بل هي أدوات رقابة ومساءلة أُعطيت للسلطة التشريعية لحماية المال العام ومنع تغوّل النفوذ.
الضمان الاجتماعي… خط أحمر
مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست شركة استثمارية عادية، بل هي أمان اجتماعي لمئات الآلاف من الأردنيين. أي خلل إداري أو مالي فيها — إن ثبت — لا يمكن التعامل معه كخبر عابر، بل كمسألة تمس الثقة الوطنية بأكملها.
والصمت النيابي، إن وُجد، لا يُفسَّر حيادًا، بل تقصيرًا في أداء الواجب الدستوري.
بين التفويض والمساءلة
الشعب يمنح صوته للنائب ليكون رقيبًا لا شاهدًا، محاسبًا لا متفرجًا.
فإن تخلّى المجلس عن أدواته الدستورية، وأهمل حقه في المساءلة والإحالة، فإنه يفرّغ مبدأ “الأمة مصدر السلطات” من مضمونه.
المطالبة بتفعيل النصوص الدستورية ليست تصعيدًا، بل التزامًا.
ومحاسبة أي مسؤول خالف الدستور ليست استهدافًا شخصيًا، بل حماية لهيبة الدولة.
الدستور هو الفيصل.
ومن يتقاضى راتبًا خياليًا، أو يجمع بين المنصب العام ومكاسب خاصة خلافًا للنص، أو يمس المال العام دون مساءلة، لا يسيء فقط إلى القانون، بل إلى فكرة الدولة ذاتها.
ويبقى السؤال مشروعًا:
هل يمارس مجلس النواب صلاحياته كاملة؟
أم أن الأمة، مصدر السلطات، ستعيد النظر في تمثيلها إذا شعرت أن صوتها لم يعد يُعبّر عن إرادتها؟
الدولة القوية لا تخشى المحاسبة.
والدستور لا يُطبَّق انتقائيًا.
ومن لا يحمي المال العام… لا يحق له الادعاء بتمثيل الشعب
الدستور أولاً… ومن لا يحمي المال العام لا يمثل الأمة






